الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

أول بنك فى مصر

 كثيراً ما يتعرض الاقتصاد المصرى لهزات ومشاكل ، مع تفاوت مسبباتها وأحجامها من عصر إلى آخر، وكانت المشكلة الرئيسية التى واجهت الاقتصاد المصرى فى عصر بناء الدولة الحديثة فى القرن التاسع عشر ، وهو عصر محمد على باشا ، تكمن فى تحديد أسعار العملة المتداولة واختلاف قيمتها الحقيقية ، خاصة أن العملات التى كان يتم تداولها ، بعضها عملات مصرية وأخرى تركية بحكم تبعية مصر للأستانة فى تلك الفترة إلى جانب عملات أجنبية متعددة من بلدان مختلفة جاءت من خلال التجارة ، وكانت تلك العملات إما ذهبية من الذهب الخالص أو من الفضة، ولكن كان هناك تفاوت كبير فى قيمة تلك العملات ، ونظرا لعدم وجود رقابة على العملات المتداولة انتشرت عمليات التزييف والتهريب خاصة للعملات المصرية التى كانت "تضرب " فى مصر والتى امتازت عن العملة التركية فى كونها من الذهب الخالص فكان يتم تهريبها إلى الخارج ، لدرجة أن العملة المصرية أصبحت نادرة فى الأسواق المصرية نتيجة لقيمتها العالية  ووزنها الثقيل، بالإضافة إلى ذلك جهل التجار بتحديد القيمة الحقيقية للعملات الأجنبية التى ترد إلى السوق المصرى ، مما جعل محمد على يشعر بالقلق على العملة المصرية والتفكير فى إيجاد حل لمنع تسريبها إلى الخارج . وكان بعض التجار يلجأون إلى استبدال العملة المصرية الذهبية ذات الوزن الثقيل بالريال الفرنسى الأخف وزنا والذى كان يفضله محمد على فى التداول عن عملة الأستانة . أدت كل هذه العوامل إلى كساد التجارة فى مصر لعدم استقرار أسعار النقود ، مما جعل محمد على يبحث ويفكر فى إيجاد حل لهذه المشكلة. وبدأ بإتخاذ إجراءات كحلول مؤقتة منها ، مصادرة جميع النقود الواردة من الخارج خاصة من الأستانة عن طريق التجار والحجاج ، و إدخال بعض النحاس على العملة الذهبية للحد من تسريبها خارج البلاد ، إلى أنه فى سنة 1842م  إتفق محمد على باشا مع الخواجة "مخالى توسيجة" قنصل اليونان فى مصر والمسيو "باتسريه" الفرنسى على مشاركة الحكومة المصرية فى إنشاء بنك فى الإسكندرية لتثبيت أسعار العملة برأسمال 700 ألف ريال فرنسى دفعت منها الحكومة المصرية 400 ألف ريال و300 ألف دفعها الشريكان الآخران.
ويقوم البنك بتقدير أسعار العملات المتبادلة وتحديد أسعارها سواء المصرية أو الأجنبية وتفويضه فى استلام المبالغ التى تورد على ديوان مبيعات الإسكندرية وعلى الجمرك وتأدية المبالغ التى تؤديها الحكومة ودواوين الصرف.
وللبنك حق تسعير كل الحاصلات الزراعية والمعاملات التجارية عند البيع والشراء سواء كان بالمزايدات أو الممارسات أو بالإعلانات ،وله إمتياز فتح الإعتمادات وقبول التحويلات الحكومية بدون فوائد وغير الحكومية بفائدة 6%.  
ورأى محمد على ألا يكتب البنك فى سندات الدين التى تم تحريرها فى البيع والشراء لفظ على السعر الجارى.. كالمعتاد بل يكتب "أن المبالغ المحررة فيها ستدفع بموجب التعريفة الأميرية الموضوعة" وطالب بأن يكون للبنك وكيل بالقاهرة وآخر بدمياط للإشراف على تداول العملات بأسعار التعريفة الأميرية الموضوعة، كما وافق على إمكانية استبدال السياح والتجار نوعا من النقود بآخر عند سفره "استبدال عمله" من بلد لآخر نظير عمولة" فللصيارفة أن يأخذوا أجر صرف من 0.5 إلى 1% تبعا لقلة النقود وكثرتها.
وكانت للبنك لائحته الخاصة متضمنة تسعة بنود تقضى بتداول المسكوكات حسب قيمتها الحقيقية ومنع الحيل المضرة والتداخل بالبيع والشراء .
وبعد ذلك وفى سنة  1867م  تم إنشاء بنك مصر (وهو ليس بنك مصر الذى أنشأة طلعت حرب 1920م) ، فكان إنشاؤه لترويج التجارة بين مصر وبريطانيا ولضمان الحصول على القطن المصرى الذى كانت تعتمد عليه بريطانيا اعتمادا كليا .
كما أسس بنك مصرى وطنى سنة 1879م فى وزارة شريف باشا بإقتراح من أمين شميل ، لتمصير الدين ، بحيث يقوم البنك وهو بنك مصرى خالص ، بشراء الديون من الدائنين الأجانب لضمان استقلال مصر الاقتصادى .
وتوالى بعد ذلك إنشاء البنوك الأجنبية  . وفى سنة 1880م تم تأسيس البنك العقارى المصرى والذى يعد أقدم بنك بالقطاع المصرفى يليه البنك الأهلى المصرى الذى أنشئ سنة 1898م وأسسة روفائيل سوارس وأرنست كاسل برأسمال مليون جنية استرلينى وفى الخمسينات من القرن الماضى قام بوظائف البنوك المركزية وبعد تأميمه فى الستينات تفرغ لأعمال البنوك التجارية وإصدار شهادات الإستثمار لحساب الدولة وهو أحد البنوك الثلاث مع بنكى مصر والقاهرة تعتمد عليهم الحكومة المصرية فى تمويل المشروعات الداعمة للقتصاد المصرى .
وفى 1920م أسس طلعت باشا حرب بنك مصر والذى قام بدور كبير فى الاقتصاد المصرى وكان بداية الاستقلال الاقتصادى الحقيقى لمصر فلم يكن الهدف تقديم الخدمات البنكية فقط بل توسعت لتشمل إنشاء 20 شركة تحمل اسم مصر ، فبعد عامين فقط من إنشاء البنك أنشأ طلعت حرب أول مطبعة مصرية لدعم الفكر والأدب وتقوية المقاومة الوطنية وتوالت بعد ذلك إنشاء العديد من الشركات منها شركة مصر للطيران سنة 1932م وهى أول شركة للطيران فى الشرق الأوسط ، وفى سنة 1934م بدأ أول خط خارجى وكان من القاهرة إلى القدس .