الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

أنا والأستاذ..!!

لم تكن علاقتي بالكاتب الكبير مكرم محمد أحمد علاقة عادية أو عابرة لمجرد إجراء حوار أو مصدر للتصريحات التي كنا نتسابق عليها والزملاء على إجراء سبق صحفي، لكن العلاقة مع الأستاذ تمتد لأكثر من 19 عام  من خلال اللقاءات التي كنا نلتقي فيها بالرئيس الأسبق حسني مبارك في الصالة المغطاة أو قصر الرئاسة، حيث كان الرجل يحضر اللقاءات بصفته الصحفية و نقيبا للصحفيين وكنت أحضر لقاءات الرئيس بصفة سياسية وصحفية في آن واحد، ولذا اكتسبت هذه الميزة بأن أكون في الصفوف الأولى وبالتحديد في الصف الثالث ويشاء القدر أن يكون ترتيبي في عدد المقاعد رقم 39 والأستاذ مكرم عليه رحمة الله في المقعد رقم 40، ومن هنا توطدت العلاقة مع الرجل وكنت أنا الذي يسعي إلي هذه الصداقة أو العلاقة الغير متكافئة بالطبع، فكيف لشاب أو تلميذ  في ذلك الوقت ويبدأ رحلته الصحفية يصادق  أحد أهم  وأكبر الكتاب الصحفيين في مصر والوطن العربي ورئيس اتحاد الصحفيين العرب وأحد أهم الكتاب الذي كان يعتمد عليهم الرئيس الأسبق حسني مبارك في كتابة خطاباته .
لم تتوقف علاقتي بالراحل العظيم إلي هذا الحد بل انتقلت إلي تبادل الآراء في بعض القضايا وكان الرجل يختبر رؤيتي كشاب في بعض القضايا المصيرية أو الأزمات التي كانت تتعرض لها البلاد وعندما كنا نتناقش في أمور كنت اقصد ألا أتحدث كثيرا وكنت حريص على الاستماع أكثر من الكلام .
استمرت اللقاءات مع الأستاذ مكرم بعد كل لقاء بالرئيس الأسبق حسني مبارك وكنت بالطبع إنا من يبادر بالاتصال  باستمرار وكان الرجل لا يكل ولا يمل من الاستماع إلي أحد تلاميذه وكان واسع الصدر ، ودائم النصح لي لدرجة انه نصحني أن أهتم بالإسلام السياسي والبحث فيه خاصة أنه يعد ملف شائك وحاضر ومتجدد باستمرار علي مائدة الأنظمة السياسية في العالم كله وليس في المنطقة العربية فقط، ولم أستوعب كلام الأستاذ إلا بعد بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م .
وأذكر أننا كنا في لقاء الرئيس الأسبق حسني مبارك وبالتحديد، يوم السبت الموافق السابع من أغسطس عام 2010 وكانت الأمور لا ترتقي الي مستوى بروتوكول لقاء رئاسي، و كان هناك فوضى وتخبط بعض الشيء في الشكل التنظيمي خلال التحضير للقاء الرئيس الأسبق حسني مبارك وهو الأمر الذي جعلني أميل نحو الأستاذ مكرم محمد احمد وأقول له بصوت خافت، أن هذا اللقاء سيكون آخر لقاء مع الرئيس وأن هناك أمور ستحدث وتغير المشهد السياسي كله ليس في مصر فقط، بل في المنطقة العربية كلها، لكن الأستاذ ابتسم ابتسامة الخبير وقال لي "بطل هواجس"، لكنني شعرت انه كان يتفق معي خاصة بعد لقاء الرئيس مبارك الخاص حينما قال مبارك أن الأشخاص زائلون والوطن باق فالتف لي الأستاذ وابتسم ابتسامة هادئة ولم يعلق، لكنني كنت افهم من نظراته الكثير وحدث بالفعل عندما اشتعلت ثورات ما يسمى بالربيع العربي، وتسارعت الأحداث بالمنطقة العربية كلها بشكل يدعو للدهشة وأسلوب متكرر كأنك تشعر ان المخرج الذي يخرج الشكل الثوري في تونس هو نفس المخرج الذي يقوم به في مصر وليبيا وسوريا وباقي دول المنطقة، الشعارات في تونس هي نفس الشعارات التي يرددها المتظاهرون في مصر وسوريا وليبيا .. السيناريو يكاد يكون مكرر، وعندما نقلت للأستاذ مكرم هذه النظرية، ابتسم كالعادة ولم يعلق .
وبعد وصول الأخوان المسلمين لحكم البلاد تلقيت اتصال من الأستاذ مكرم وهذا كان أول اتصال من الرجل لي وكنت وقتها أسعد إنسان في الدنيا وكنت أشعر أن الأستاذ يثق في تلميذه خاصة عندما طلب مني التعليق على خطاب محمد مرسي قراره بعودة مجلس الشعب الذي كان قد تم حله بحكم قضائي، واذكر يومها قلت للأستاذ بأن هذا القرار سيكون أول مسمار في نعش الإخوان وأن نظامهم لن يكمل عام على الأكثر وقال الرجل نتمنى ذلك ومرت الشهور ثقيلة من حكم الإخوان والبلاد تتعرض لهزات سياسية عنيفة ومصر تفقد ريادتها العقلانية في قيادة البوصلة السياسية بالمنطقة العربية و أنهكتها المظاهرات الفئوية وغيرها من المطالب وانهيار مستوى الخدمات الحيوية بالبلاد حتي خرج محمد مرسي واتهم عناصر الحزب الوطني وقيادات صحفية وذكر الأستاذ مكرم محمد أحمد في خطابه الشهير في يوم الجمعة الموافق 26 يونيو 2013م وبعد انتهاء الخطاب اتصلت بالأستاذ وقلت له ماذا يحدث .. فرد الرجل بعفوية مطلقة وقال .. "أنا مش عارف الراجل دا عايز إيه مني وعمال يخبط في خلق الله ويصدر فشله في إدارة الدولة عن طريق اتهامات باطلة " انتهت المكالمة وانحاز الرجل لثورة 30 يونيه وساندها بكل قوة لأنه كان يدرك بحسه الوطني أن الدولة المصرية تسير نحو نفق مظلم في ظل حكم فاشية دينية تفتقد إلي أبسط قواعد الإدارة الحكيمة لدولة كبيرة بحجم مصر .
 

وفي عام فى إبريل 2017 تولى مكرم محمد أحمد رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، و حرص منذ رئاسته للمجلس على القضاء على حالة الفوضى العارمة التي شهدها الإعلام والعمل على إرساء مناخ إعلامي قوامه الالتزام بمعايير المهنة ومراعاة القيم الأخلاقية، واتخذ عددا من القرارات الهامة التى من شأنها ضبط أداء الإعلام فى مصر، وتصدى لعدد كبير من المخالفات المهنية بالفضائيات واتخذ قرارات بوقف برامجها بجانب مراقبة  الأعمال الدرامية التي كانت تهدف إلى نشر الفوضى،، .. و مات الفارس واقفا وهو يتصدي لكل من يحاول النيل من أمن واستقرار البلاد وأثبت أن القلم يستطيع أن يقف جنبا إلي جنب، في مساندة القيادة السياسية والإدارية للدولة في مواجهة الانحرافات والاختراقات التي قد تتسبب في نشر الفوضى وعدم الاستقرار بالبلاد .. رحم الله الأستاذ مع خالص تعازينا  القلبية لأسرة الفقيد الراحل، داعيا الله أن يتغمّده بواسع ورحمته، وأن يُلهم ذويه الصبر والسلوان، وخالص التعازي  لتلاميذه والأسرة الصحفية التي كان نصيرا لها على الدوام.