نشر الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، مقال جديد له بعنوان “تصرفات الحاكم وخطورة الافتئات عليها”.
وقال وزير الأوقاف، في مقاله المنشور عبر صفحته الرسمية على فيس بوك، إن هناك أمرين في غاية الخطورة أضرا بالخطاب الديني الرشيد، هما الجهل والمغالطة ، أما الأول فداء يجب مداواته بالعلم ، وأما الثاني فداء خطير يحتاج إلى تعرية أصحابه وكشف ما وراء مغالطتهم من عمالة أو متاجرة بالدين .
وأكد أن من أخطر القضايا التي لعبت عليها أو بها جماعات أهل الشر "تصرفات الحاكم" سواء بالافتئات عليها أم بمحاولة تشويه تصرفاته ولو كان في عدل سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).
وتابع: وقد أدرك علماؤنا القدماء طبيعة الفرق بين ما هو من اختصاص الحاكم وما هو من اختصاص العالم ، وفرقوا بدقة بين ما تصرف فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) بصفة النبوة والرسالة من شئون العقائد والعبادات والقيم والأخلاق ، وما تصرف فيه (صلى الله عليه وسلم) باعتبار الحكم أو القضاء ، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن نبيا ورسولا فحسب ، إنما كان نبيا ورسولا وحاكما وقاضيا وقائدًا عسكريًّا .
ونوه أن ما تصرف (صلى الله عليه وسلم) فيه باعتباره حاكمًا أو قائدًا عسكريًّا أو قاضيًا بقي من شروط وضرورات التصرف فيه توفر الصفة الأخرى وهي كون المتصرف حاكمًا أو قائدًا عسكريًّا أو قاضيًا بحسب الأحوال .
ومما تصرف فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) باعتباره رسولاً وحاكمًا معا قوله (صلى الله عليه وسلم) : ( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ) ، يقول الإمام أبو حنيفة (رحمه الله) : "هذا منه (صلى الله عليه وسلم) تصرف بالإمامة – أي بصفته حاكمًا- ، فلا يجوز لأحد أن يحيي أرضًا إلا بإذن الإمام ، لأن فيه تمليكًا ، فأشبه الإقطاعات ، والإقطاع يتوقف على إذن الإمام فكذلك الإحياء".
وذكر أنه لا يجوز لأحد أن يضع يده على قطعة من الأرض ويقول أحييتهــا فهي لي وبيني وبينكم حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، نقول له : إن النبي (صلى الله عليه وسلم) تصرف في ذلك بصفته حاكمًا ، فلا يجوز لغير الحاكم إصدار مثل هذا القرار المتعلق بالحق العام ، أو المال العام أو الملك العام ، وإلا لصارت الأمور إلى الفوضى وفتح أبواب لا تسد من الفتن والاعتداء على الملك العام ، وربما الاحتراب والاقتتال بين الناس ، إنما يجب أن يلتزم في ذلك بما تنظمه الدساتير والقوانين التي تنظم شئون البلاد والعباد .
وما تصرف فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) باعتباره قاضيًا لا يبنى الأمر فيه على رأي العالم ولا حتى رأي القاضي المجرد من الأدلة والقرائن والشهود ، إنما يبنى على ما يقتضيه أمر القضاء من البينة أو الشهود وسائر القرائن المعتبرة ، وقد رجح جمهور الأصوليين والفقهاء عدم جواز قضاء القاضي بمجرد علمه دون إقامة الدليل أو وجود الشهود أو توفر القرائن .
وأوضح، أن من أهم القضايا التي ترجع إلى رأي الحاكم لا إلى رأي القاضي ولا رأي العالم ولا أحد غير الحاكم قضية إعلان حالات الحرب والسلم المعبر عنها في كتب الفقه بالجهاد الذي هو بمعنى القتال والذي شُرّع للدفاع عن الأوطان والدول أن تستباح ، فليس لآحاد الناس أو لحزب أو لجماعة أو لفصيل أو لقبيلة إعلان هذا الجهاد ، إنما هو حق لولي الأمر وفق من أناط به دستور كل دولة وأعطاه الحق في إعلان حالة الحرب والسلم ، سواء أعطاه الدستور لرئيس الدولة ، أم لمجلس أمنها القومي ، أم للرئيس بعد أخذ رأي برلمانها ، المهم أن قضية إعلان حالة الحرب ليست ملكًا للأفراد أو الجماعات ، إنما هي من تصرفات الحاكم التي لا يجوز الافتئات عليه فيها ، وإلا أصبح الأمر فوضى لا دولة .