في خطوة تعكس تسارع وتيرة التحديث العسكري الصيني، دشّنت بكين أحدث وأضخم حاملة طائرات في تاريخ أسطولها البحري، الحاملة «فوجيان»، خلال مراسم رسمية أُقيمت في مقاطعة هاينان، بحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ وكبار قادة الدولة والجيش.
لم يكن هذا الحدث مجرد إضافة قطعة بحرية جديدة الذي حظي بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الرسمية، بل إعلان واضح عن انتقال الصين إلى مرحلة أكثر تقدماً في سباق القوة البحرية العالمية.
«فوجيان» تدخل الخدمة… نقلة نوعية في الأسطول الصيني
بإدخال «فوجيان» إلى الخدمة، أصبحت الصين تمتلك ثلاث حاملات طائرات عاملة، لتحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة من حيث تشغيل حاملات مزودة بأنظمة إطلاق كهرومغناطيسية للطائرات.
تمثل الحاملة الجديدة أول حاملة طائرات صينية تعتمد نظام الإطلاق الكهرومغناطيسي المعروف باسم EMALS، وهو النظام الأحدث والأكثر تطوراً في هذا المجال.
هذه الخطوة تضع بكين في نادٍ ضيق لا يضم سوى واشنطن، التي سبقتها بتشغيل هذا النظام على متن حاملة الطائرات الأميركية الأحدث «يو إس إس جيرالد فورد».
تقنية EMALS… تفوق تقني وقدرات هجومية أوسع
تُعد تقنية الإطلاق الكهرومغناطيسي EMALS من أبرز ما يميز «فوجيان»، إذ تتيح للطائرات الإقلاع بحمولات أثقل من الوقود والذخائر مقارنة بالمنجنيقات البخارية التقليدية. ويعني ذلك قدرة أكبر على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وزيادة فعالية الطيران البحري في العمليات القتالية المعقدة.
وعلى عكس حاملات الطائرات الأميركية التي تعمل بالطاقة النووية، تعتمد «فوجيان» على الطاقة التقليدية، لكنها مع ذلك تُصنف كأكبر سفينة حربية تعمل بالطاقة غير النووية في العالم، بإزاحة تتجاوز 80 ألف طن.
شي جين بينغ يشرف على التدشين
شهدت مراسم التدشين حضوراً لافتاً للرئيس شي جين بينغ، الذي صعد على متن الحاملة واستمع إلى شرح تفصيلي حول قدراتها القتالية وآلية عمل منجنيقاتها الكهرومغناطيسية. وترأس المراسم الجنرال تشانغ شينغ مين، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين، في رسالة سياسية واضحة تؤكد أهمية المشروع في العقيدة الدفاعية الصينية.
من «لياونينغ» إلى «فوجيان».. تطور في المفهوم البحري
يمثل سطح «فوجيان» قطيعة مع التصميم السابق لحاملات الطائرات الصينية مثل «لياونينغ» و«شاندونغ»، حيث تخلت عن منحدر الإقلاع المعروف بـ«القفزة المنحدرة»، واعتمدت بدلاً منه على منجنيقات كهرومغناطيسية كاملة، مما يضعها في فئة أكثر تقدماً من حيث التشغيل والكفاءة.
تتميز الحاملة بجزيرتها الهرمية المركزية المصممة لتقليل البصمة الرادارية، وتضم أنظمة رادار واستشعار متطورة من نوع AESA. كما تعمل بنظام دفع هجين يجمع بين الغاز والديزل والكهرباء، لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المنجنيقات الثلاثة.
ويضم سطح الطيران تجهيزات متقدمة تشمل رافعتين للطائرات، وأربعة أسلاك مانعة للاندفاع، وخمسة مواقع لهبوط المروحيات. كما تحتوي الحاملة على منظومات دفاعية قريبة ومتوسطة المدى، مع مؤشرات على إمكانية دمج أسلحة طاقة موجهة مستقبلاً.
جناح جوي متعدد المهام
من المتوقع أن تحمل «فوجيان» ما بين 50 و60 طائرة، تشمل مقاتلات J-15، وطائرات الإنذار المبكر KJ-600، إضافة إلى المقاتلة الشبحية المنتظرة J-35 من الجيل الخامس، التي صُممت خصيصاً للعمل على متن حاملات الطائرات. وتشير تجارب حديثة إلى تنفيذ عمليات هبوط تجريبية، في خطوة تسبق الإعلان الرسمي عن الجاهزية الكاملة.
حاملة رابعة في الطريق.. والطاقة النووية تلوح في الأفق
بحسب تقارير إعلامية غربية، تعمل الصين حالياً على بناء حاملة طائرات رابعة تُعرف باسم «004»، يُرجح أن تكون مزودة بتقنية EMALS وتعمل بالطاقة النووية، مما يمنحها مدى عملياتي غير محدود ويعزز قدرة بكين على الانتشار البحري العالمي.
تُعد حاملات الطائرات رمزاً رئيسياً لقوة الدول الكبرى، لما تمثله من أدوات ردع وقدرة على فرض النفوذ بعيداً عن السواحل الوطنية. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن «فوجيان» ليست مجرد قطعة بحرية، بل ركيزة أساسية في طموحات الصين العسكرية.
تقرير البنتاجون.. طموحات توسعية حتى 2035
كشف التقرير السنوي لوزارة الدفاع الأميركية حول «القوة العسكرية الصينية» عن خطة طموحة لبكين تهدف إلى امتلاك أسطول يضم تسع حاملات طائرات بحلول عام 2035. ووفق التقرير، يشهد جيش التحرير الشعبي أكبر برنامج لبناء حاملات طائرات في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية.
ويؤكد التقرير أن الصين تسعى لسد الفجوة الكمية والنوعية مع البحرية الأميركية، ما قد يؤدي إلى مضاعفة قدرتها على نشر مجموعات حاملات الطائرات الضاربة عالمياً ثلاث مرات.
تايوان في قلب الحسابات الاستراتيجية
يربط التقرير الأميركي بين تطوير حاملات الطائرات الصينية ومناورات عسكرية تحاكي فرض حصار على تايوان، ضمن استراتيجية منع الوصول والحرمان من المنطقة (A2/AD)، الهادفة إلى تقليص فرص تدخل قوى خارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في أي صراع محتمل.
مع دخول «فوجيان» الخدمة، واستمرار العمل على حاملات جديدة وربما نووية، ترسم الصين ملامح مستقبل بحري مختلف، تسعى من خلاله إلى تثبيت موقعها كقوة عالمية قادرة على العمل بعيداً عن حدودها الجغرافية. وبينما تتابع واشنطن وحلفاؤها هذه التحركات عن كثب، يبدو أن سباق حاملات الطائرات دخل مرحلة جديدة، عنوانها التكنولوجيا المتقدمة والطموحات العابرة للمحيطات.