قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

جبران خليل جبران.. سيرة نبيّ الأدب الإنسان الذي كتب العالم من منفاه

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

بعد أكثر من تسعين عامًا على رحيله، لا يزال اسم جبران خليل جبران حاضرًا بقوة في الوعي الثقافي العالمي، ليس بوصفه شاعرًا أو كاتبًا فحسب، بل باعتباره ظاهرة إنسانية تجاوزت اللغة والجغرافيا والدين، جبران الذي خرج من قرية جبلية فقيرة في شمال لبنان، استطاع أن يحفر اسمه في الأدب العالمي، وأن يجعل من الكلمة جسرًا بين الشرق والغرب، وبين الروح والإنسان.

طفولة على هامش القسوة

وُلد جبران خليل جبران في 6 يناير 1883 في بلدة بشرّي، في متصرفية جبل لبنان إبان العهد العثماني، لعائلة مسيحية مارونية عانت الفقر والاضطراب، كان والده خليل جبران رجلًا قاسي الطباع، أوقعته الديون والقمار في السجن، بينما شكّلت والدته كاميلا رحمة الحاضنة النفسية والروحية الأهم في حياته.

لم يحظَ جبران بتعليم نظامي في طفولته، وتعلّم القراءة والكتابة على يد كاهن القرية، لكن هذا الحرمان التعليمي لم يكن عائقًا بقدر ما كان سببًا في صقل خياله واعتماده على الذات، منذ سنواته الأولى، عاش جبران شعور التناقض بين قسوة الواقع وحنان الأم، وهو تناقض سيظهر لاحقًا بوضوح في كتاباته.

هوية معلّقة بين عالمين

عام 1895، هاجرت عائلة جبران إلى الولايات المتحدة واستقرت في مدينة بوسطن، هناك، واجه الفتى القادم من جبل لبنان صدمة ثقافية ولغوية واجتماعية، عاش في أحياء المهاجرين الفقيرة، وبدأ الدراسة في مدارس خُصصت لتعليم أبناء المهاجرين اللغة الإنجليزية.

في تلك المرحلة، اكتُشفت موهبته الفنية في الرسم، ولفت أنظار المصور والناشر الأميركي فريد هولاند داي، الذي لعب دورًا مهمًا في إدخاله الأوساط الفنية والثقافية، لم تكن الهجرة بالنسبة إلى جبران مجرد انتقال جغرافي، بل جرحًا وجوديًا جعله يشعر طوال حياته بأنه لا ينتمي بالكامل إلى مكان واحد.

تشكّل الوعي الأدبي

في عام 1898، عاد جبران إلى بيروت لدراسة العربية في مدرسة الحكمة، كانت هذه المرحلة مفصلية في حياته، إذ تعرّف إلى اللغة العربية بوصفها أداة فكر وتعبير، لا مجرد لغة أم، بدأ يكتب الشعر والمقالات، وأسّس مجلة أدبية طلابية، وانتُخب شاعر الكلية.

في بيروت أيضًا عاش أول تجربة حب عميقة مع حلا الظاهر، وهي العلاقة التي انتهت بسبب الأعراف الاجتماعية، لكنها تركت أثرًا بالغًا في نفسه، وألهمته لاحقًا روايته الشهيرة «الأجنحة المتكسرة»، التي شكّلت نقدًا مبكرًا للمجتمع الأبوي وسلطة رجال الدين.

الموت كرفيق دائم

عاد جبران إلى بوسطن عام 1902 ليواجه سلسلة من الفجائع؛ فقد شقيقته سلطانة، ثم شقيقه بطرس، ثم والدته خلال فترة قصيرة، هذه الخسارات المتتالية عمّقت شعوره بالوحدة، وجعلت الموت عنصرًا مركزيًا في رؤيته للحياة، لا بوصفه نهاية، بل بوابة عبور.

بين باريس ونيويورك

درس جبران الفنون في أكاديمية جوليان بباريس بين عامي 1908 و1910، حيث تأثر بالرمزية والرومانسية، لكنه حافظ على نبرة روحية خاصة به، عند عودته إلى نيويورك، استقر في استوديو الشارع العاشر، الذي أصبح مركز نشاطه الإبداعي حتى وفاته.

عام 1912، اتخذ قرارًا استراتيجيًا بالكتابة باللغة الإنجليزية، رغبةً في مخاطبة جمهور عالمي، توالت أعماله، إلى أن صدر كتاب «النبي» عام 1923، الذي حقق انتشارًا واسعًا، وأصبح لاحقًا أحد أكثر الكتب مبيعًا وترجمة في التاريخ الحديث.

بين الإلهام والالتباس

شكّلت المرأة محورًا أساسيًا في حياة جبران الفكرية والعاطفية، ارتبط بعلاقات عديدة، أبرزها مع ماري هاسكل، التي كانت داعمته المالية ومحررته الأدبية، ومع الأديبة مي زيادة، التي جمعته بها علاقة مراسلات استمرت نحو عشرين عامًا دون لقاء.

علاقة جبران ومي زيادة تُعد من أبرز العلاقات الفكرية-العاطفية في تاريخ الأدب العربي الحديث، حيث تبادلا الأفكار والمشاعر بلغة رمزية راقية، دون أن تتحول العلاقة إلى ارتباط تقليدي، كان جبران يرى الحب شراكة روحية لا عقدًا اجتماعيًا، وهو ما جعله يرفض الزواج طوال حياته.

فلسفته ورؤيته الإنسانية

لم يكن جبران فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي، لكنه قدّم فلسفة إنسانية بسيطة وعميقة في آن، دعا إلى الحرية الفردية، ونبذ التعصب الديني، وآمن بوحدة الأديان، وقدسية الحب، وأولوية الروح على المادة، كتاباته، خصوصًا في «النبي»، جاءت على هيئة حكم وتأملات مفتوحة، لا تقدّم إجابات نهائية، بل تحفّز القارئ على التفكير.

المرض والرحيل

في سنواته الأخيرة، عانى جبران من مرض السل وتشمّع الكبد، وتوفي في نيويورك في 10 أبريل 1931 عن عمر ناهز 48 عامًا. أوصى بأن يُدفن في لبنان، ونُقلت رفاته إلى بلدته بشرّي عام 1932، حيث تحوّل مقر دفنه إلى متحف يحمل اسمه.

اليوم، يُعد جبران خليل جبران أحد أكثر الكتّاب قراءة في العالم، وقد تُرجمت أعماله إلى أكثر من مئة لغة، وتغنّى بكلماته فنانون عالميون، واستُلهمت أفكاره في السينما والمسرح والموسيقى، ورغم الجدل النقدي حول بساطة لغته الفلسفية، فإن تأثيره الإنساني لا يزال حاضرًا بقوة.

لم يكن جبران خليل جبران نبيًا بالمعنى الديني، لكنه كان صوتًا إنسانيًا نادرًا، كتب من ألمه ليمنح الآخرين معنى، ومن غربته ليصنع وطنًا من الكلمات. وبعد عقود من رحيله، لا يزال جبران حيًا، كلما بحث إنسان عن الحرية، أو الحب، أو الحقيقة.