في وقت تموج فيه منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل بتحولات جيوسياسية كبرى، نظمت مؤسسة "كيميت" بطرس غالي للسلام والمعرفة ندوة موسعة بعنوان "التطورات في المحيط الجنوبي لمصر ٢٠٢٦" بالنادي الدبلوماسي بالتحرير.
وجمعت الندوة أقطاب السياسة الخارجية والأكاديميين في منصة استراتيجية لتحليل الأزمات المركبة التي تستهدف تطويق المصالح المصرية في عمقها الأفريقي.
افتتحت الفعاليات بكلمة رئيس مجلس أمناء المؤسسة ممدوح عباس، التي ألقتها نيابة عنه السفيرة ليلى بهاء الدين المدير التنفيذي حيث أكدت أن استقرار المحيط الجنوبي يمثل الأولوية القصوى للأمن القومي المصري، وأن دور المؤسسة في ٢٠٢٦ يتجاوز التنظير الأكاديمي لتقديم بدائل استراتيجية تضمن الحفاظ على المكتسبات التاريخية لمصر.
وفي افتتاحيته قدم عمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية قراءة وصفت بـ "خارطة طريق"، محذراً من "السيولة الاستراتيجية" بالمنطقة، وشدد على أن أمن مصر يبدأ من استقرار دول الجوار، داعياً إلى استعادة المبادرة المصرية لمواجهة المتغيرات المتسارعة، حيث لم يعد الجنوب مجرد امتداد جغرافي بل ساحة اشتباك لمشاريع إقليمية ودولية.
وتطرق موسى إلى خطورة الوضع، قائلاً إنه "خطير جدًا" وليس نظرياً، خاصة مع وصول "إسرائيل" إلى منطقة جنوب البحر الأحمر على مقربة من مضيق باب المندب، مذكراً بدور مصر في إغلاق المضيق خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣، واصفاً الوضع من السودان إلى إثيوبيا مروراً بإريتريا والصومال وأزمة "أرض الصومال" بأنه "شديد الاضطراب".
وعلى طاولة النقاش، برزت قضية "أرض الصومال" كأحد أخطر التحديات التي تهدد وحدة القارة الأفريقية، حيث حذر المشاركون من أن أي مساس بوحدة الصومال يفتح الباب لتدخلات إقليمية تضر بالمصالح المصرية، وسط رصد لتصاعد التداخلات الإسرائيلية التي انتقلت من التعاون التكنولوجي والزراعي إلى بوابات أمنية واستخباراتية تهدف لتطويق الدور المصري.
من جانبه، قدم السفير أسامة عبد الخالق، المندوب الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة حتى أواخر ٢٠٢٥، رؤية تربط بين أمن الجنوب المصري والوضع في اليمن، مؤكداً أن استقرار الدولة اليمنية وسلامة سواحلها يمثلان خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري وصمام أمان لمضيق باب المندب وقناة السويس، محذراً من أن أي خلل يمنح القوى المعادية فرصة للعبث بمقدرات المنطقة، واصفاً الأحداث بأنها "جرس إنذار" لكل من مصر والسعودية.
وأوضح الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية، أن الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن، صرح في ٢٠٢٥ بأن استعادة الدولة في "الجنوب العربي" ستكون فرصة للتوقيع على "الاتفاقيات الإبراهيمية"، مما يكشف النية الانفصالية. كما حلل "هيكلية القوى" في المنطقة مشيراً إلى حاجة مصر لأدوات غير تقليدية.
بينما ركزت الدكتورة راوية توفيق على "دبلوماسية التنمية" ومشاريع التكامل الوظيفي، موضحة أن مواجهة الاختراقات الخارجية تفرض بناء مصالح اقتصادية صلبة مع دول الحوض والقرن الأفريقي، وتحويل ملفات الخلاف المائي إلى فضاءات للتعاون في الطاقة والزراعة.
واختتمت الندوة بنقاش مفتوح أجمع فيه المشاركون على أن قوة مصر تكمن في قدرتها على المبادرة واستخدام "قوتها الذكية"، وخرجت بتوصيات أن الحفاظ على الأمن في ٢٠٢٦ يتطلب النظر إلى منابع النيل والقرن الأفريقي ومضيق باب المندب كدائرة أمنية واحدة غير قابلة للتجزئة، لضمان بقاء مفاتيح المنطقة في أيدي أبنائها بعيداً عن الأجندات الخارجية.
وحددت الندوة ما أسمته "مثلث التهديد" المتمثل في أزمة "أرض الصومال" التي تفتح شهية القوى الخارجية للتموضع على السواحل المطلة على مسارات التجارة المصرية، والتهديد المباشر لأمن اليمن وباب المندب لقناة السويس مع تزايد المحاولات الإسرائيلية للوجود في الجزر المجاورة، واستراتيجية "التطويق" التي يمارسها الكيان الإسرائيلي عبر الاقتصاد والأمن في دول الجوار الجنوبي بهدف منافسة الدور المصري التاريخي وتشكيل ضغط جيوسياسي مستمر على القاهرة.



