في ظل التطورات الدولية الأخيرة، تصدرت الأحداث المتعلقة باعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو المشهد، ما أثار تساؤلات حول سيادة الدولة، والحدود القانونية للاعتقال العسكري لرؤساء الدول، وما إذا كان يشكل جريمة حرب أم مجرد انتهاك للقانون الدولي.
بالتوازي، تثير ملفات الشرق الأوسط، بما فيها النزاع في غزة وملاحقة القادة الإسرائيليين، جدلاً حول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وحصانة المسؤولين، ومدى قدرة الدول على تنفيذ مذكرات الاعتقال الدولية، وتأثير الضغوط السياسية على استقلالية القرارات القضائية. في هذا الإطار، أجرى موقع صدى البلد حوارا خاصا مع الخبير القانوني والمحامي لدى المحكمة الجنائية الدولية، الدكتور مايكل كارناڤاس ليجيب عن الأسئلة التي تدور في هذه الملفات الشائكة.
من منظور القانون الدولي هل يُعتبر الاعتقال العسكري لرئيس دولة قائم جرماً حربياً أو انتهاكاً لسيادة الدولة؟
فنياً، فإن الاعتقال أو الاختطاف العسكري لرئيس دولة قائم على أراضٍ أجنبية يشكل انتهاكاً للسيادة وربما فعلاً دولياً خاطئاً، ما إذا كان يرتقي أيضاً إلى مستوى جريمة حرب يعتمد على السياق، بما في ذلك وجود نزاع مسلح والإطار القانوني المعمول به ومع ذلك، فإن سيناريو مادورو قانونياً غير اعتيادي، إذا لم يعد مادورو رئيس الدولة الشرعي ، بعد أن خسر الانتخابات واستمر في السلطة بحكم الواقع، يمكن القول إنه لا يستحق الحماية الممنوحة عادة للسيادة القانونية، تصور إدارة ترامب للعملية يضعها ليس كعمل حرب، بل كإجراء لإنفاذ القانون مدعوم بالقوات العسكرية، سواء كان هذا التبرير مقنعاً من منظور القانون الدولي محل جدل. أما من منظور القانون الأمريكي الداخلي، فهذا إلى حد كبير غير مهم، هناك سوابق واضحة تفيد بأنه بمجرد أن يكون المتهم أمام محكمة أمريكية، فإن طريقة وصوله، حتى لو كانت غير نظامية ، لا تمنع المحاكمة أو السير في الدعوى القائمة على لائحة اتهام صحيحة.
ما هي التداعيات القانونية والسياسية لمثل هذه العمليات على مستقبل النظام الدولي؟
التداعيات الأوسع يصعب التنبؤ بها، لكن الإشارة واضحة بلا شك. إذا كان لدولة قوية القدرة على اختطاف زعيم أجنبي بشكل أحادي الجانب ومواجهة عواقب محدودة، فقد يستنتج آخرون أن مثل هذه الأفعال مسموحة ، أو على الأقل قابلة للتحمل.
إذا قامت الصين أو روسيا بعمليات مماثلة، فمن المرجح أن يكون الرد أقل اعتمادًا على المبادئ القانونية وأكثر ارتباطًا بالتحالفات الجيوسياسية، والنفوذ الاقتصادي، والمصلحة الاستراتيجية، نادرا ما يعمل القانون الدولي كقيد محايد في مثل هذه السياقات، أما الأخلاق، فبالرغم من قوتها الخطابية، فإنها نادرا ما تكون المحرك الحاسم لنتائج القانون العالمي، القوة والسابقات والعواقب هي الحاسمة.
ما هي حدود اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة القادة السياسيين والعسكريين مثل رئيس وزراء إسرائيل ووزير الدفاع السابق؟
بافتراض أن المحكمة الجنائية الدولية لديها اختصاص على الجرائم المزعومة، لا توجد قيود رسمية أو نظرية على من يمكن التحقيق معهم أو محاكمتهم. القيود ليست عقدية بل عملية وسياسية. فالمحكمة تعمل بموارد محدودة ولا تمتلك جهاز تنفيذ مستقل، مما يجعل ممارسة تقدير النيابة أمراً لا مفر منه.
ويجب اتخاذ قرارات حول الحالات التي تستحق المتابعة، والخصوم الذين يُعطى الأولوية، والاتهامات التي تستحق الاستثمار المؤسسي والمخاطر السياسية، في السياق الإسرائيلي، تكمن النقطة القانونية المركزية في مسألة حصانة رؤساء الدول، وبخاصة ما إذا كان يمكن مقاضاة رئيس وزراء دولة ليست طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة دون موافقة تلك الدولة. بالمقابل، فإن معظم المسؤولين المدنيين أو العسكريين الآخرين لا يتمتعون بحصانة مماثلة بموجب القانون الجنائي الدولي.
ومع ذلك، فإن غياب الحصانة لا يلغي العواقب السياسية، حتى القرارات القضائية السليمة قانونياً قد تثير ردود فعل قوية، بما في ذلك الضغط الدبلوماسي أو العقوبات، خاصة من قبل الدول غير الأطراف القوية مثل الولايات المتحدة.
إذا صدرت مذكرات اعتقال ضد مسؤولين إسرائيليين إلى أي مدى يُلزم الدول الأعضاء بتنفيذها؟
مبدئياً، تقع على عاتق الدول الأطراف في نظام روما التزام قانوني واضح بتنفيذ مذكرات اعتقال المحكمة الجنائية الدولية وتقديم التعاون الكامل، عملياً، غالباً ما تُقدّم هذه الالتزامات القانونية على حساب الحسابات السياسية الداخلية، أو اعتبارات الأمن القومي، أو الاصطفافات الجيوسياسية، هناك العديد من الأمثلة على رفض دول أطراف تنفيذ مذكرات اعتقال، وغالباً دون أي تبعات ملموسة.
فالمحكمة لا تمتلك قوة شرطة، ولا وسائل ضغط فعالة، ولا آلية موثوقة لفرض الامتثال بخلاف الإحالة والضغط المعنوي على السمعة. لذلك، يظل التنفيذ متفاوتاً ومشدوداً بالواقع السياسي أكثر من القانوني.

هل يمكن للمحكمة الجنائية الدولية التغلب على الحصانات السياسية في قضايا جرائم الحرب؟
مسألة الحصانة وخصوصاً بالنسبة لرؤساء الدول القائمين على السلطة لم تُحسم بعد بشكل نهائي في القانون الدولي، رغم التأكيدات الواثقة أحياناً على خلاف ذلك.
هناك اتجاه قضائي متنامٍ للحد من الحصانة أو رفضها أمام المحاكم الدولية، وأعتقد أن الإجابة من الناحية العقدية ستؤول في النهاية إلى "نعم"، لكن دون وجود آليات تنفيذية، قد يظل النقاش أكاديمياً بحتاً. فوضوح القانون لا يعني بالضرورة وجود أثر عملي.
فالحكم بأن الحصانة لا تنطبق يكون ذا معنى فقط إذا أمكن تطبيقه فعلياً عبر الاعتقال، النقل، والمحاكمة. حيثما تكون هذه الآليات غائبة أو محجوبة سياسياً، فإن النقاش حول الحصانة يوضح المعايير دون تحقيق المساءلة.
كيف تؤثر الضغوط السياسية الدولية على استقلال وقرارات المحكمة الجنائية الدولية؟
أنا أقل اقتناعاً بأن "الضغط" بمعناه الخام يؤثر مباشرة على قرارات المحكمة، وخصوصاً على مستوى القضاة، جودة القضاء تختلف كما هي الحال في أي محكمة، وبعض القضاة بلا شك يمتلكون مواقف مسبقة مستندة إلى خلفياتهم المهنية والإقليمية. ومع ذلك، لم أجد أي دليل موثوق على أن القرارات القضائية للمحكمة توجهت أو تم التلاعب بها سياسياً.
أما التأثير الأهم فهو على مستوى النيابة، فإن التبعات السياسية وليس الإكراه المباشر تشكل اختيار النيابة: أي الحالات تُتابع، أي المشتبه بهم يُعطى أولوية، كيف تُحدد التهم، ومتى يتم اتخاذ الإجراء، هذا ليس فساداً، بل واقعية هيكلية.
فالنيابة تعمل ضمن نظام دولي حيث تكون ردود الفعل السياسية، واستمرارية المؤسسة، وإمكانية التنفيذ كلها عوامل حاسمة، سواء أُعترف بها أم لا.



