غالباً ما يبدو إرضاء الآخرين ظاهرياً كنوع من اللطف، لكنه في جوهره قد يكون مرهقاً ومستنزفاً عاطفياً. إنّ إيثار الآخرين باستمرار، وتجنّب الصراع، والشعور بالذنب لوجود احتياجات، ليس عيباً في الشخصية، بل هو نمط مكتسب. يساعد علم النفس في تفسير سبب تجذّر إرضاء الآخرين، ولماذا قد يكون التخلّص منه أمراً غير مريح، وبطيئاً، ومؤثراً عاطفياً بشكلٍ مفاجئ.
يبدو إرضاء الآخرين أمرًا جيدًا ظاهريًا. أن تكون لطيفًا، وأن تُساعد الآخرين، وأن تكون شخصًا يسهل التعامل معه. لكن إن كنت قد عشت هذا النمط من السلوك، فأنت تعرف مدى استنزافه. أن تقول نعم وأنت تريد أن تقول لا، وأن تُفرط في التفكير في كل رد فعل، وأن تشعر بالذنب تجاه أمور ليست من مسؤوليتك. يُفسر علم النفس لماذا يتغلغل إرضاء الآخرين في أعماقنا.
لماذا قد يكون التخلص من أرضاء الأخرين صعبًا بشكلٍ مُفاجئ
غالباً ما تبدأ كمهارة للبقاء على قيد الحياة
إرضاء الآخرين ليس عادةً شيئًا تستيقظ عليه فجأةً وتقرر فعله. بل يتسلل إليك مبكرًا، غالبًا في طفولتك. يربط علم النفس ذلك ببيئات الطفولة حيث كان الحب والأمان والقبول مشروطًا. ربما أدركتَ أنه إذا بقيتَ مُطيعًا أو مُساعدًا، ستبقى الأمور هادئة. أما الاعتراض أو الرفض؟ فقد يؤدي ذلك إلى التجاهل أو الغضب أو حتى الصمت التام. لذا، وضع عقلك هذه القاعدة: حافظ على سعادة الجميع، وستبقى أنت آمنًا. لهذا السبب لا يبدو إرضاء الآخرين قرارًا واعيًا. إنه يحدث تلقائيًا، كالتنفس تقريبًا.
يتعامل جهازك العصبي مع الرفض باعتباره تهديدًا
حتى في مرحلة البلوغ، غالبًا ما يُبدي الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الآخرين ردود فعل قوية تجاه علامات الاستياء. فتغيير نبرة الصوت، أو تأخر الرد، أو حتى تعبير خيبة الأمل، كلها أمور قد تُثير القلق. يُفسر علم النفس ذلك من خلال الجهاز العصبي. فإذا نشأتَ وأنت تُدير مشاعر الآخرين، يبقى جسمك مُتأهبًا للخطر. فقول "لا" لا يُشعرك بعدم الارتياح فحسب، بل قد يُسبب لك إجهادًا جسديًا، كضيق الصدر، والقلق، والشعور بأن مكروهًا على وشك الحدوث.
إرضاء الناس يُكافأ بنشاط
أحد أسباب صعوبة التخلي عن إرضاء الآخرين هو أنه يُجدي نفعًا على المدى القصير. إذ تحصل على الثناء، وتتجنب الصراع، ويُنظر إليك على أنك جدير بالثقة ولطيف. يشعر دماغك بالراحة والرضا. يُطلق علم النفس على هذا اسم التعزيز. في كل مرة يُخفف فيها إرضاء شخص ما من التوتر، يتعزز هذا السلوك. التخلي يعني تحمل الانزعاج المؤقت بدلًا من انتظار الموافقة الفورية.
يمكن أن يصبح جزءًا من هويتك
كثير من الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الآخرين لا يتصرفون بهذه الطريقة فحسب، بل يُعرفون بها. الشخص اللطيف، الشخص الذي يُعتمد عليه، الشخص الذي لا يطلب الكثير. عندما يرتبط سلوكٌ ما بهوية الشخص، قد يشعر المرء عند تغييره وكأنه يفقد نفسه. قد يتساءل المرء عما إذا كان الناس سيظلون يُقدّرونه بعد أن يتوقف عن الإفراط في العطاء. هذا الخوف وحده كفيلٌ بإبقاء هذه الدائرة مشتعلة.

الشعور بالذنب يسبق الراحة
يُظهر علم النفس أنه عندما يبدأ الأشخاص الذين يسعون لإرضاء الآخرين بوضع حدود، غالبًا ما يظهر الشعور بالذنب أولًا. قد تشعر بالأنانية لأنك تستريح، وقد تشعر بالسوء لأنك تختار نفسك. هذا لا يعني أنك تفعل شيئًا خاطئًا، بل يعني أن عقلك يتكيف. الشعور بعدم الراحة جزء من تعلم أن لك الحق في أن تكون لديك احتياجات.
إن التخلص من العادات القديمة يتطلب وقتاً وخطوات صغيرة
لا يختفي الحرص على إرضاء الآخرين بين ليلة وضحاها، بل يخف تدريجيًا. التريث قبل الموافقة، والسماح للآخرين بالشعور بخيبة أمل طفيفة، والتحدث بصدق حتى وإن كان الأمر محرجًا. علينا أن نتذكر أن التخلي عن الحرص على إرضاء الآخرين لا يعني أن نصبح قساة القلوب أو غير مبالين، بل يعني أن نفهم أن التواصل الحقيقي لا يتطلب تضحية بالنفس.
المصدر: timesnownews

