قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سامح الدهشان يكتب : أيقظني الخذلان

سامح الدهشان
سامح الدهشان

كم منا وثق بإنسان فخذله! ، أو أحب شخصاً فتركه بعد عشرة سنوات في أصعب اللحظات؟ كم منا ظن أن الأمان في القلوب البشرية! ، فإذا بالعاصفة تأتي لتكشف لنا الحقيقة! 

نحن نميل بطبيعتنا إلى الاتكاء على الآخرين، ننسى أن القلوب تتغير، والأكتاف تضعف، والوعود قد تتبخر. لكن الله، بحكمته، يتدخل. يغلق كل الأبواب في وجهك، ليس ليكسرك، بل ليعلمك إلى أين تتجه.

 اكتشفت انه لو بقي الناس أوفياء دائماً، ربما ما تعلق قلبك بالله كما ينبغي. لو كانت كل الأكتاف ثابتة، ربما ما رفعت يديك إلى السماء بهذا الصدق.

تعلمت ان الخذلان عملية تطهير للقلب. ينزع منه التعلق بالبشر، ويعيد توجيهه إلى المصدر الوحيد الذي لا يخذل أبداً. البشر يخذلون، لكن الله لا يخذل. البشر يغيبون، لكن الله حاضر لا يغيب . البشر يعجزون، لكن الله عندما يكتب لك النصر، يسخر لك الكون كله. 

في تلك الصفعة، ارى الصورة بشكل مختلف: الخذلان ليس عقوبة، بل إنقاذ. إنقاذ من الاعتماد على ما يضعف الروح ، لجوء القلب إلى من يصونه ويقويه.

نعم أنا مريض سرطان واجهته في ثلاث جولات متتالية ، في الجولة الثالثة انسحبت هي هاربة لسبب هنا اوهناك كنت مجبر علي احترام اسبابها برؤية قاصرة فقد تلون كل شيء ساعتها بالوجع ، كنت اعتقد أنها سندي الأبدي في معركتي ضد هذا الناهش في جسدي وروحي ، فجاة انسحبت وتركتني وسط العاصفة 

 كنت امنحها كل شيء  فرت لتتركني في أعماق اليأس. أقرب الناس إليك يخذلك حين تحتاجه أكثر. ينهار العالم من حولك، ويغمرك الألم كسيل جارف. تشعر أنك مكسور، مهزوم، وحيد. لكن مع الوقت اكتشفت ان هذه ليست النهاية. 

هذه الصفعة ليست لتدميري، بل لإيقاظي استيقظ يا سامح . خذلانها كشف لك حقيقة مؤلمة: لقد حمّلتها ما لا تطيق. طلبت منهم أماناً مطلقاً، ووفاءً لا ينتهي، وسنداً لا يهتز. وكأنها آلهة ذات صلاحيات مطلقة  في حياتك الصغيرة.


البشر ليسوا آلهة. هم ضعفاء، متغيرون، عاجزون ومضطربون أحياناً. حين يخذلونك، لا يكونون دائماً شريرين. أحياناً، يكونون مجرد أدوات في يد الله، يستخدمها ليعيدك إليه. ينزع من قلبك التعلق بمن يفنى، ويوجهك نحو الذي لا يفنى. في تلك اللحظة، تتغير رؤيتك: الخذلان لم يعد عدواً، بل معلماً قاسياً علمني الدرس الأعظمي حياتي .

بعد رحيلها المفاجيء لم أعد أرى الخسارة كبيرة الآن ، بل أرى اللطف في العوض والإنقاذ الإلهي المخفي في طيات الوجع . فجأة تحول هذا الألم إلى نور، وأصبح الخذلان باباً إلى الله.

الان انظر خلفي لأكتشف ان  كل الذين خذلوني – دون قصد – كانوا أكبر نعمة في حياتي. لولا خذلانهم، لبقي قلبي معلقاً بهم. لولا قسوتهم، لما بكيت بين يدي الله بهذا الصدق. لولا رحيلهم، لما عدت لأعظم سند  الله وحده.

الله رأى قلبي يركن إلى البشر أكثر مما ينبغي، فلم يعاقبني ، بل أنقذني. أغلق أبوابهم ليفتح لي بابه، وتركني لأسقط من علي أكتافهم لأكون بين يديه الرحيمتين.

الآن، بعد الإيقاظ، لم اعد اخاف من الفقد أبدا . لأنني عدت الى من لا يُفقد أبداً. الخذلان أيقظني ، غير رؤيتي ، وجعلني أرى الحياة بشكل مختلف: ليس كسلسلة من الخسارات، بل كرحلة إلى الله.

 لا تحزن كثيراً يا سامح إن خذلك الناس، فربما كان ذلك أعظم لطف خفي فعله الله بك. هو كسر اعتمادك على البشر، ليجعلك تعتمد عليه وحده. وفي هذا الاعتماد، تجد السلام الحقيقي.
‎نعم أيقظني الخذلان ، وأنا الآن أشكره.