قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة.. الإفتاء تجيب

حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة
حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة

تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: ما حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة؟ فإنه يوجد في بعض القرى مسجد كبير يسع المصلين، ويوجد في الشوارع الجانبية زوايا تُصلَّى فيها الصلوات الخمس، فهل يجوز إقامة الجمعة في هذه الزوايا؟

وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: الأصل أن تصلى الجمعة في المسجد الكبير الذي يسع المصلين، فإن ضاق أو بعدت المسافة بحيث لا يستطيع المصلُّون الذهاب إليه إلا بمشقة فحينئذ تجوز صلاة الجمعة في الزوايا ولا حرج فيها، على أنَّه ينبغي مراعاة ضوابط الجهات المنظمة لإقامة الجمعة في الزوايا.

مكان إقامة صلاة الجمعة
من الأحكام الخاصة بصلاة الجمعة -ومنها صورة السؤال- مكان إقامتها، أي: المكان الذي تُؤدَّى فيه، والحديث في هذه المسألة يأتي من جهتين:

الأُولى: من حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا.

الثانية: من حيث حكم تعدد الجمعة في البلدة الواحدة.

حكم صلاة الجمعة في الزوايا
أمَّا مِن حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا، فإنَّ صلاة الجمعة في الزوايا جائزةٌ، إذ ليس من شروط صحتها المسجد، بل تجوز في الفضاء الخالي من البناء وفي الزوايا وفي المصلَّى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ: جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ". رواه ابن أبي شيبة في "مُصنَّفه".

وهذا يدل على أَنَّ إقامة الجمعة تجوز في أي مكان من القُرَى والـمُدن والفِنَاء وغير ذلك مِن الأماكن.

قال العظيم آبادي في "عون المعبود" (3/ 281، ط. دار الكتب العلمية): [وذهب البعض إلى اشتراط المسجد، قال: لأنها لم تقم إلا فيه، وقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء: إنه غير شرط، وهو قوي إن صحَّت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي، وقد روى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير، ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه] اهـ.

وعلى هذا الذي ذكرناه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، على اختلاف بينهم في التفاصيل، فقد اشترط الحنفيةُ الـمِصْر وتوابعه، والمراد بالـمِصْر -كما نَصَّ عليه الكاساني في "البدائع" (1/ 260، ط. دار الكتب العلمية) وصَحَّحه-: كل بلدةٍ فيها أسواقٌ ووالٍ وعالمٌ يُرْجَع إليه في أمور الدِّيْن. أمَّا الشافعية فإنهم يشترطون أن تكون صلاة الجمعة في حدود الأبنية، بينما يرى الحنابلة اشتراط القُرْب مِن البنيان.

قال الإمام أبو بكر الحدَّادي في "الجوهرة النيرة" (1/ 88، ط. المطبعة الخيرية) عند الكلام على أحكام صلاة الجمعة: [(قوله: أو في مُصَلَّى الـمِصْر) لأنّ له حكم الـمِصْر، وليس الحكم مقصورًا على الـمُصَلَّى، بل تجوز في جميع أفنية الـمِصْر، وقَدَّروه بمنتهى حد الصوت] اهـ.

وقال الإمام محيي الدين النووي في "المجموع" (4/ 501، ط. دار الفكر) عند كلامه أيضًا على أحكام صلاة الجمعة: [قال أصحابنا: ولا يشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها، فلو صَلَّوْهَا خارج البلد لم تصح بلا خلاف، سواء كان بقرب البلدة أو بعيدًا منه، وسواء صلوها في كِنٍّ أم ساحة؛ ودليله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيتُمُوني أصَلِّي»، ولم يُصلِّ هكذا] اهـ.

وقال الإمام أبو السعادات الـبُهُوتي في "كشاف القناع" (3/ 337، ط. وزارة العدل السعودية): [(وتصح) الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء، ولو بلا عذر) فلا يشترط لها البنيان؛ لقول كعب بن مالك: "أسعدُ بن زرارة أولُ مَن جَمَّعَ بنَا في هَزَم النَّبيت من حَرَّة بني بَيَاضة في نقيعٍ، يقال له، نَقيع الخَضِمات. قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا" رواه أبو داود، والدارقطني. قال البيهقي: حسن الإسناد صحيح. قال الخطابي: حَرَّة بني بياضة على ميل من المدينة. وقياسًا على الجامع. لكن قال ابن عقيل: إذا صلى في الصحراء استخلف من يصلي بالضعفة. و(لا) تصح الجمعة (فيما بَعُد) عن البنيان، لشبههم إذن بالمسافرين] اهـ.

وخالف فيما سَبَق المالكيةُ، حيث إنهم يشترطون في صحة الجمعة كونها في الجامع خاصة، لا في فِنَاءٍ أو ما شابهه، ومعنى الجامعية المشروطة هنا -كما حَقَّقه الدُّسُوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 374، ط. دار الفكر)-: مجرد التعيين والتحبيس للصلاة فيه.

وفَرَّعوا على ذلك: أنَّه لا تقام جمعتان في مِصْرٍ واحدٍ إلَّا في المسجد الجامع ولو تَعدَّدت، فالصلاة تكون صحيحة لأقْدَم الجامِعَين، وفي ذلك يقول أبو عبد الله الخَرَشي في "شرحه على المختصر" (2/ 74، ط. دار الفكر): [والجمعة للعتيق (ش) جواب عن سؤال مُقَدَّر، كأن قائلًا قال له: قد شَرطتَ في الجامع أن يكون مُتحِدًا فما الحكم إذا تعدَّد؟ فأجاب بأنها عند التَّعدُّد في البَلَد الواحد أو ما في حكمه صحيحة لأهل الجامع العتيق مِن تلك الجوامع، باطلة لأهل الجديد] اهـ.

لكن عموم الآية الواردة في صلاة الجمعة يدل على مذهب الجمهور؛ إذ ورد فيها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فلا وجه لخصوص المسجدية فيها.

ويُدَلِّل على ذلك أيضًا: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّ أوَّلَ جُمُعةٍ جُمِّعت بعدَ جُمُعةٍ في مسجدِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم في مسجدِ عبدِ القَيسِ بجُواثَى مِن البَحرين. رواه البخاري في "الصحيح". و"جُوَاثَى" -بضم أَوَّله وفتح الـمُثَلثَّة-: قريةٌ من قُرَى البَحرينِ.

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا: "أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ: جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ". رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه".

فالحديثان يدلان على جواز إقامة الجمعة في غير المسجد الجامع، قال العَلَّامة زين الدين ابن رجب في "فتح الباري" (8/ 138، ط. مكتبة الغرباء) عند شرح حديث مسجد عبد القيس: [والمقصود: أنهم جَمَّعوا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قرية جواثاء، وإنما وقع ذلك منهم بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره لهم... فيدل ذلك على جواز إقامة الجمعة بالقُرَى، وأنه لا يشترط لإقامة الجمعة الـمِصْر الجامع] اهـ.

وقال الإمام ابن المنذر في "الإشراف" (2/ 119، ط. مكتبة مكة الثقافية): [وقد روينا عن عطاء أنه قيل له: أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر؟ قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه، ويجزئ ذلك عنهم من التجميع في المسجد الأكبر] اهـ.

وقال الإمام سراج الدين البلقيني في فتاويه المسماة بـ "التَّجَرُّد والاهتمام بجمع فتاوى شيخ الإسلام" (1/ 246، ط. أروقة) مُعلِّقًا على هذا الأثر عن سيدنا عمر: [وهذا ظاهرٌ في جواز التعدد] اهـ، ثم عَدَّد أوجه جواز الـجُمَع في غير المسجد الجامع.

وجواز الجُمَع على هذا النحو مروي أيضًا عن عدد من السلف، فعن ابن جريج، أنَّه قال: قلت لعطاء: أرأيت أهل البصرة لا يَسَعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: "لكل قوم مسجد يجمعون فيه، ثم يجزئ ذلك عنهم" أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه".

وروي عن عمرو بن دينار قال: "إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يُجَمَّعُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْتُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ" رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه". وأَمَّا ما ورد عن الأئمة الفقهاء مِن منع تَعدُّد الجمعة، فإنَّ ذلك كان لمعنى خوف تَفَرُّق الكلمة على الخلفاء، وقد زال هذا المعنى، كما قَرَّره الإمام السراج البُلْقِيني في "فتاويه" (1/ 247).