في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بسويسرا، كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عما وصفته بـ«الخطة الرئيسية» لمستقبل قطاع غزة، وهي رؤية طموحة مليئة بالمدن المخططة مسبقًا، والأبراج الشاهقة، ومراكز البيانات، ومناطق السياحة الساحلية، لكنها – بحسب مراقبين – تبدو بعيدة إلى حد كبير عن الواقع الإنساني والسياسي القائم على الأرض.
الخطة عرضها جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب ومستشاره البارز، من خلال عرض تقديمي تضمن صورًا مولدة بالذكاء الاصطناعي لمبانٍ حديثة وناطحات سحاب مصطفة على شاطئ البحر المتوسط. ووفق كوشنر، فإن «غزة الجديدة» ستولد من تحت أنقاض الحرب، مشيرًا إلى إزالة عشرات آلاف الأطنان من الركام، ومؤكدًا أن القطاع سيعاد بناؤه بشكل «منزوع السلاح، وخاضع لإدارة فعالة، وجذاب للاستثمار»، وفق ما نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.
واجهة سياحية
وتضمنت الخطة تخصيص كامل الواجهة البحرية للسياحة، مع تشييد نحو 180 برجًا سكنيًا وسياحيًا، إلى جانب مناطق صناعية متقدمة، ومراكز تكنولوجية، ومرافق رياضية وحدائق عامة. في المقابل، بدت المناطق السكنية – وفق الخرائط المعروضة – محدودة نسبيًا ومحصورة في مدن جديدة مخططة، مثل «رفح الجديدة»، بعيدًا عن الحدود، في وقت يعيش فيه نحو مليوني فلسطيني أوضاعًا إنسانية قاسية داخل خيام أو مبانٍ مدمرة.
هذا الطرح يتناقض بوضوح مع المشهد الحالي في غزة، حيث لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من نصف مساحة القطاع، بينما يتركز السكان في مناطق مكتظة تعاني نقصًا حادًا في الخدمات الأساسية. ورغم زيادة دخول المساعدات الإنسانية منذ سريان وقف إطلاق النار المدعوم أمريكيًا في أكتوبر، فإن منظمات إغاثية تؤكد استمرار معاناة الفئات الأكثر ضعفًا من سوء التغذية وارتفاع الأسعار.
قلق إقليمي
وأثارت الخطة قلقًا إقليميًا، لا سيما مع حديث كوشنر عن بدء إعادة الإعمار في مناطق خاضعة للسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، ما تخشى دول عربية أن يكرس واقعًا جديدًا يقود إلى سيطرة دائمة على أجزاء من غزة. كما أن الحديث عن إعادة الإعمار دون وضوح في مسألة السيادة الفلسطينية أو إشراك فعلي للفلسطينيين في صياغة الرؤية، زاد من حدة الانتقادات.
سياسيًا، تزامن الإعلان مع تشكيل لجنة فلسطينية من التكنوقراط لإدارة شؤون غزة، تحظى بدعم فصائل مختلفة، في خطوة اعتبرت تطورًا مهمًا. إلا أن صلاحيات هذه اللجنة، وعلاقتها بمجلس «مجلس السلام» الذي تقوده واشنطن، لا تزال غامضة. كما لم تعلن أي دولة حتى الآن التزامًا ماليًا واضحًا بتمويل إعادة الإعمار، في ظل تقديرات أممية تشير إلى أن الكلفة قد تصل إلى 70 مليار دولار.
في المحصلة، تعكس «الخطة الرئيسية» لغزة طموحًا أمريكيًا لإعادة تشكيل القطاع اقتصاديًا وإداريًا، لكنها تصطدم بواقع معقد من الاحتلال، والانقسام السياسي، والدمار الواسع، ما يطرح تساؤلات جدية حول قابليتها للتنفيذ، ومن سيدفع ثمنها، وما إذا كانت تلبي فعليًا تطلعات الفلسطينيين أم تتجاوزهم.