في إطار اهتمام الدولة المصرية ببناء الإنسان وحماية الأجيال الجديدة من المخاطر المستحدثة، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في التعامل مع القضايا المجتمعية المعاصرة، وعلى رأسها حماية الأطفال من الاستخدام غير الآمن للهواتف المحمولة ووسائل التكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا أهمية اتخاذ خطوات مدروسة تضمن تنشئة أجيال قادرة على التعامل الواعي مع هذه الوسائل في المراحل العمرية المناسبة.
ويأتي هذا التوجيه الرئاسي في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التحذيرات من خبراء الصحة النفسية بشأن التأثيرات الخطيرة وغير المسبوقة لاستخدام الأطفال غير المنضبط لمواقع التواصل الاجتماعي والعوالم الرقمية، حيث حذر الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، من أن المخاطر لم تعد تقتصر على الانعزال الاجتماعي أو ضعف التواصل الأسري، بل امتدت إلى تهديد مباشر للصحة النفسية والجسدية والوجدانية للأطفال، وصولًا إلى تآكل الهوية، وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وتعلم أنماط سلوكية عدوانية ووحشية عبر المنصات الإلكترونية.
توجيه رئاسي لحماية الأطفال من مخاطر التكنولوجيا الحديثة
أكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد أن المطالبات القديمة بالرقابة الأسرية على استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي كانت تركز في بدايتها على مخاطر محدودة، مثل الانطواء الاجتماعي، والعزلة النسبية عن الأسرة، والانشغال الذهني، وهي مخاطر كان يمكن احتواؤها من خلال المتابعة الوالدية والتدخل الأسري المباشر.
وأوضح أن التطور المتسارع في استخدام السوشيال ميديا، وتوسع قاعدة الاعتماد عليها بشكل شبه كلي، نقل المخاطر إلى مستوى أخطر بكثير، لم يعد يقتصر على دور الأسرة وحدها، خاصة مع ظهور عوالم رقمية مظلمة مثل الـ"دارك ويب"، التي تروج لسلوكيات عدوانية ووحشية، مشيرًا إلى أن بعض الأطفال أصبحوا يتعلمون أنماطًا إجرامية كاملة عبر الإنترنت، وصلت إلى ارتكاب جرائم قتل وتأثيرات نفسية خطيرة عن بعد .
وأشار استشاري الصحة النفسية إلى أن المحتوى العنيف، مثل مقاطع تعذيب الحيوانات، والاستغلال الجنسي، والترويج لهويات وسلوكيات غير مناسبة للمراحل العمرية الصغيرة عبر الألعاب والمنصات الإلكترونية، أسهم في تآكل القيم الإنسانية وطمس الهوية النفسية للأطفال، فضلًا عن انتشار ظواهر قتل النفس وإيذاء الذات الناتجة عن بعض التحديات والألعاب الخطرة مثل “الحوت الأزرق” وغيرها.
وأضاف أن السوشيال ميديا لم تعد تسبب مجرد اندماج نفسي مع لعبة أو انفصال وجداني مؤقت، بل تحولت إلى استغراق كامل في العالم الافتراضي، أثر سلبًا على القدرات الذهنية للأطفال، واغتال براءتهم، ورفع معدلات القلق والاكتئاب وفرط الحركة والاندفاعية، وهو ما انعكس بدوره على التحصيل الدراسي والقدرة على اتخاذ القرار.
ولفت الدكتور وليد هندي إلى أن الأضرار امتدت أيضًا إلى الصحة الجسدية، حيث ظهرت مشكلات في الإبصار، والعمود الفقري، والعضلات، والجهاز الهيكلي، نتيجة الجلوس الطويل واستخدام الأجهزة الذكية، مؤكدًا أن حجم هذه المخاطر يستدعي تدخلًا جريئًا وسياديًا لحماية الأطفال وإعادتهم إلى أسرهم وذواتهم قبل فوات الأوان.
وشدد على ضرورة تبني تشريعات حاسمة مستلهمة من التجربة الأسترالية، تقوم على حجب أو تقييد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 18 عامًا، أو على الأقل حظر المحتوى شديد الخطورة، موضحًا أن هذا التوجه لا يهدف إلى حرمان الأطفال كليًا، بل إلى حمايتهم نفسيًا وجسديًا واجتماعيًا، باعتبارهم الثروة البشرية الحقيقية للمجتمع.
وأكد أن حماية الأطفال رقميًا تمثل امتدادًا طبيعيًا لجهود الدولة في بناء الإنسان المصري، التي بدأت ببرامج الرعاية الصحية والاجتماعية، مثل “تكافل وكرامة” ، ومبادرات الكشف المبكر عن الأمراض، ومشروعات “حياة كريمة” ، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يعزز الروابط الأسرية ويعيد التماسك الاجتماعي، في وقت أصبحت فيه بعض الدراسات تشير إلى أن الأطفال باتوا يلجأون للذكاء الاصطناعي أكثر من لجوئهم لآبائهم في طلب النصيحة والتوجيه.
واختتم الدكتور وليد هندي تصريحاته بالتأكيد على أن استنساخ التجارب العالمية الناجحة يجب أن يتم بما يتماشى مع القيم المصرية الأصيلة والهوية العربية، بما يضمن عودة الأطفال إلى ممارسة أنشطة حرة تنمي قدراتهم بدلًا من تدميرها، ويعيد للأسرة دورها الطبيعي في التنشئة والتوجيه، حفاظًا على مستقبل المجتمع بأكمله.