قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

جهود كبيرة من التضامن لحوكمة عمل دور الرعاية وفق المعايير الدولية

وزارة التضامن الاجتماعي
وزارة التضامن الاجتماعي

في كل المجتمعات، تظل دور الرعاية واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، ليس فقط لأنها ترتبط بفئات ضعيفة تحتاج إلى حماية خاصة، بل لأنها تمس جوهر العلاقة بين الدولة وواجبها في صون كرامة الإنسان وضمان الحد الأدنى من حقوقه في الأمان والرعاية؛ ولهذا لا تتعامل الدول مع هذا الملف بوصفه شأنًا إداريًا عاديًا، وإنما باعتباره أحد اختبارات قدرة الدولة على التدخل الاستباقي قبل تحول القصور إلى كارثة إنسانية.

خلال السنوات الأخيرة، اتجهت كثير من الحكومات إلى إعادة تعريف دورها الرقابي على مؤسسات الرعاية، سواء كانت دور أطفال، أو مسنين، أو مراكز تأهيل، إدراكًا منها أن الانتظار حتى وقوع الانتهاكات الجسيمة أو الحوادث الكبرى يعني الفشل في حماية من لا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم.. ومن هذا المنطلق، بات التدخل المبكر، ولو عبر قرارات حاسمة، نهجًا معتمدًا لتفادي ما هو أسوأ.

في هذا السياق، تأتي الإجراءات التي تتخذها وزارة التضامن الاجتماعي ضمن إطار أوسع يتجاوز فكرة "الإغلاق" باعتبارها إجراءً عقابيًا، إلى كونه أداة وقائية لحماية النزلاء، وضمان ألا تتحول دور الرعاية إلى بيئات غير آمنة تهدد حياة قاطنيها أو تنتهك حقوقهم الأساسية.

تقرير رسمي وأرقام تكشف فلسفة التدخل

ويكشف التقرير الذي أصدرته وزارة التضامن الاجتماعي، وأُعلنته في بيان رسمي، عن إغلاق 80 دار ومؤسسة رعاية على مستوى الجمهورية خلال الفترة من يوليو 2024 وحتى نهاية ديسمبر 2025، شملت دور رعاية أطفال، ودور مسنين، ومؤسسات دفاع اجتماعي، ومراكز ومؤسسات تأهيل، سواء لعملها دون ترخيص أو لمخالفتها الاشتراطات القانونية والإنسانية المنظمة لهذا النشاط.

وتوضح الأرقام أن 43 دارًا غير مرخصة كانت تعمل خارج الإطار القانوني بالكامل، فيما تم إغلاق 37 دارًا ومؤسسة مرخصة بعد ثبوت ارتكابها مخالفات جسيمة، أو انتفاء صفة النزلاء عنها، أو فشلها في تصحيح أوضاعها رغم منحها فرصًا متعددة للتوفيق، ويشير هذا التوزيع أن التدخل لم يستهدف كيانًا بعينه، بل انطلق من معيار واضح هو حماية النزلاء من أوضاع فقدت الحد الأدنى من مقومات الرعاية الآمنة.

عندما تفشل المؤسسة كيف تتصرف الدولة؟

في التجارب الدولية، لا ينظر إلى دور الرعاية باعتبارها مساحات مغلقة أو شئونًا داخلية بعيدة عن الرقابة العامة، بل تُعامل كأماكن شديدة الحساسية تستوجب تدخلًا فوريًا عند اختلال معايير الأمان أو المساس بكرامة النزلاء، ففي المملكة المتحدة، تضطلع Care Quality Commission (هيئة جودة الرعاية) بدور رقابي مستقل على دور رعاية الأطفال والمسنين ومقدمي خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية، وتمتلك صلاحيات واسعة تشمل التفتيش المفاجئ، وتقييم مستوى السلامة وجودة الخدمة، واتخاذ قرارات فورية بسحب التراخيص أو إغلاق المؤسسات التي تصنف بأنها "غير آمنة" أو "غير ملائمة"، دون انتظار وقوع حوادث جسيمة، وفي هذه الحالات، تُلزم السلطات المحلية بوضع خطط عاجلة لنقل النزلاء إلى مؤسسات بديلة معتمدة، بما يضمن استمرارية الرعاية وعدم تعريضهم لمخاطر إضافية.

أما في فرنسا، فتخضع دور الرعاية لمنظومة رقابية متعددة المستويات، تشارك فيها Agences Régionales de Santé (ARS) (الوكالات الصحية الإقليمية)، إلى جانب أجهزة التفتيش الاجتماعي، حيث تجرى زيارات دورية ومفاجئة لتقييم أوضاع الإيواء والرعاية الصحية والنفسية، ومدى احترام حقوق النزلاء، ويعد الالتزام بمعايير الكرامة الإنسانية وجودة الخدمة شرطًا أساسيًا لاستمرار الترخيص، وفي حال رصد تجاوزات جسيمة أو تكرار المخالفات، تُغلق المؤسسات المخالفة، مع ضمان نقل المستفيدين إلى منظومات رعاية بديلة، أو إعادة دمجهم في أطر أسرية أو مؤسسية أكثر أمانًا.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يُدار ملف دور الرعاية ضمن منظومة رقابية لا مركزية تشارك فيها جهات متعددة على مستوى الولايات، من بينها Centers for Medicare & Medicaid Services (CMS) (مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية)، تحت الإشراف العام لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، حيث تُعد الشكاوى المتكررة، أو ثبوت الإهمال، أو الإخلال بمعايير السلامة، أسبابًا كافية لتفعيل إجراءات سحب التراخيص أو إغلاق المؤسسات، وتُعامل هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من سياسة وقائية تهدف إلى حماية الأرواح، لا مجرد جزاءات إدارية، مع إلزام الجهات المختصة بتوفير بدائل مناسبة للنزلاء، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.

وتلتقي هذه التجارب جميعًا عند مبدأ حاكم واحد، مفاده أن الدولة لا تنتظر وقوع المأساة كي تتحرك، بل تتدخل عندما تفشل المؤسسة في أداء دورها الإنساني، وقبل أن يتحول القصور في الرعاية إلى كارثة لا يمكن تدارك آثارها.

الإغلاق كخيار أخير بعد مسار رقابي ممتد

ويوضح تقرير وزارة التضامن الاجتماعي أن قرارات الإغلاق جاءت بعد مسار رقابي ممتد، شمل زيارات ميدانية دورية ومفاجئة من فرق التدخل السريع ولجان الضبطية القضائية، إلى جانب رصد البلاغات الواردة عبر الخطوط الساخنة ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

كما تضمن هذا المسار محاولات متكررة لتوفيق أوضاع بعض المؤسسات، وإتاحة فرص زمنية لمعالجة أوجه القصور، قبل اللجوء إلى الإغلاق باعتباره الخيار الأخير، حين يثبت أن استمرار المؤسسة يمثل خطرًا على حياة النزلاء أو كرامتهم.

حماية النزلاء أولوية لا تنفصل عن القرار

ولا ينفصل قرار الإغلاق، في التجربة المصرية، عن إجراءات إنسانية موازية، حيث تم نقل النزلاء إلى مؤسسات رعاية تخضع لإشراف مباشر، بما يضمن عدم تركهم دون حماية أو رعاية.

ويعكس هذا النهج فهمًا متقدمًا لدور الدولة، لا يكتفي بوقف المخالفة، بل يضع النزيل في صدارة الأولويات، باعتباره الطرف الأضعف والأكثر احتياجًا للحماية.

تحول استراتيجي في فلسفة الرعاية

وفي سياق أوسع، يعكس التقرير توجهًا استراتيجيًا تتبناه وزارة التضامن الاجتماعي، يقوم على التحول التدريجي من الرعاية المؤسسية إلى الرعاية الأسرية، باعتبارها النموذج الأكثر استدامة وأمانًا للأطفال.

فخلال الفترة من يوليو 2024 وحتى نهاية ديسمبر 2025، تم تسليم 581 طفلًا وطفلة إلى أسر بديلة كافلة، ليصل إجمالي عدد الأطفال المكفولين داخل أسر بديلة إلى 12243 طفلًا، تتولاهم 11985 أسرة كافلة، في إطار منظومة تخضع للمتابعة والرقابة.

بين الجدل العام وثوابت المسئولية

وفي مثل هذه الملفات، يثور دائمًا نقاش عام حول قرارات الإغلاق وتأثيرها على العمل الأهلي، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، غير أن التجارب الدولية، وكذلك السياق المحلي، تؤكد أن إدارة ملف الرعاية لا يمكن أن تخضع لمنطق الضغوط الآنية، بل يجب أن تُدار بمنطق المسئولية طويلة الأمد تجاه الفئات الأكثر هشاشة.

فالتغاضي عن المخالفات، أو تأجيل التدخل بدعوى الحفاظ على الكيانات القائمة، يعني عمليًا القبول باستمرار أوضاع قد تتحول في أي لحظة إلى انتهاكات جسيمة، وهو ما يتعارض مع جوهر دور الدولة في الحماية.

التوازن بين الرقابة ودعم العمل الأهلي المنضبط

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة هذه القرارات بمعزل عن مسار أوسع تتبناه وزارة التضامن الاجتماعي، يقوم على تحقيق توازن دقيق بين القيام بدورها الرقابي في حماية حق الإنسان في حياة كريمة وآمنة داخل دور الرعاية، وبين دعم وتشجيع مؤسسات العمل الأهلي المنضبطة والجادة؛ فبالتوازي مع تشديد الرقابة على المؤسسات المخالفة، تمضي الوزارة في إسناد مشروعات تنموية وخدمية للجمعيات الملتزمة بالمعايير، وفتح مجالات التميز المؤسسي أمامها، سواء من خلال برامج الدعم الفني أو آليات التمويل والمسابقات التنافسية التي يتيحها صندوق دعم مشروعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بما يعزز استدامة العمل الأهلي ويكافئ الالتزام والجودة.

وفي هذا الإطار، لا تستهدف الرقابة إضعاف المجتمع المدني أو التضييق على دوره، بل تهدف إلى فرز حقيقي بين مؤسسات جادة تؤدي رسالتها بمهنية ومسؤولية، وأخرى تفتقد مقومات العمل المنضبط، بما يضمن توجيه الموارد والدعم إلى الكيانات القادرة على إحداث أثر اجتماعي حقيقي، وحماية الفئات الأولى بالرعاية من أي ممارسات قد تمس سلامتها أو كرامتها.

ختامًا، يرسخ تقرير وزارة التضامن الاجتماعي، بما تضمنه من أرقام وإجراءات، أن الرعاية ليست إحسانًا، بل حق أصيل، وأن دور الدولة لا يقتصر على التنظيم الإداري، بل يمتد إلى الحماية والوقاية والتدخل الحاسم عندما تصبح حياة الإنسان وكرامته على المحك، بحيث لا تُقرأ قرارات غلق دور الرعاية المخالفة باعتبارها نهاية المطاف، وإنما كجزء من فلسفة دولة لا تنتظر الكارثة، بل تتحرك مبكرًا لصون كرامة الإنسان وحماية من لا صوت لهم.