أربعة وسبعون عاماً، ولا يزال صدى الخامس والعشرين من يناير يتردد في وجدان الوطن، سطرًا من نور في سِفْر البطولات الخالدة للشرطة المصرية.
هناك، في قلب محافظة الإسماعيلية، انتصب الرجال كأشجار السنديان التي لا تموت إلا واقفة، ذوداً عن كرامة النسر الشامخ فوق رؤوسهم، والمستقر في سويداء قلوبهم.
وقد انبثقت هذه الملحمة من رحم قرار إلغاء معاهدة 1936 في أكتوبر 1951، حيث عكست استجابة حكومة الوفد بقيادة مصطفى النحاس للمطالب الشعبية بداية مرحلة الكفاح المسلح، بعد أن لعب رجال الشرطة دورًا محوريًا كظهير استراتيجي للمجموعات الفدائية، الأمر الذي ساهم في زعزعة أمن معسكرات الاحتلال.
كانت العمليات التي يشنها الفدائيون توجه ضربات موجعة لقوات الاحتلال الإنجليزي، وتكبده خسائر فادحة بمدن القناة بمساعدة رجال الشرطة، بالتزامن مع انسحاب العمال المصريين من العمل في معسكرات الإنجليز، والتوقف اللوجستي للمتعهدين عن توريد المواد الغذائية لإعاشة ثمانين ألف جندي وضابط بريطاني، مما أدى إلى تآزم وضع القوات البريطانية المتمركزة في منطقة القناة.
وأمام هذا الحصار الخانق، أدرك المحتل أن وأد المقاومة يبدأ بتفريغ مدن القناة من حُماتها؛ فوجه القائد البريطاني إنذارًا بضرورة إخلاء مبنى محافظة الإسماعيلية، بزعم أنه مركز لانطلاق العمليات.
وفي فصلٍ سطره التاريخ بمداد من نور، جاء رد الشرطة المصرية بالرفض القاطع، متمسكين بعهد وزير الداخلية فؤاد سراج الدين بالصمود والمقاومة، ولم يجد المحتل مفرًا من صبِّ جام غضبه على مدينة الإسماعيلية الصامدة.
وجرت معركة غير متكافئة من حيث العدد والعتاد ونوعية الأسلحة، والتي لم تكن مجرد اشتباكٍ عسكري، بل كانت اختبارًا لصلابة الإرادة المصرية. حيث واجهت نخبة من الأبطال بأسلحة بدائية وصدورٍ عارية غطرسة آلة الحرب البريطانية، تحميهم وتشدُّ أزرهم بسالةُ رجال الشرطة، وتحت قصف المدافع وهدير الدبابات، آثر نسور الإسماعيلية الشهادة على الاستسلام أو إخلاء مواقعهم ، ليرتقي خمسون شهيدًا وتخضب دماء ثمانين جريحًا ثرى القناة، محولين اتهام الاحتلال للشرطة بإيواء الفدائيين إلى وسام شرفٍ يخلد تلاحم المؤسسة الأمنية مع نبض النضال الشعبي.
ومع انهيار الجدران ونفاد الرصاص، وأمام بسالة وتضحيات الرجال لم يملك الجنرال البريطاني 'إكسهام' إلا أن يأمر جنوده بأداء التحية العسكرية لنسور الشرطة، معترفًا بأنهم قاتلوا بشرفٍ عزّ نظيره.
وفي ملحمةٍ وطنية استثنائية شهدتها مدينة السويس إبان حرب أكتوبر، سجلت الشرطة المصرية حضوراً بطولياً في خط المواجهة الأول، وإلى جانب القوات المسلحة، حيث أعاد رجال شرطة السويس إحياء روح ملحمة الإسماعيلية الخالدة، فمع اشتداد حصار العدو تحول قسم شرطة الأربعين إلى ثكنة للصمود الأسطوري، وقد تصدى رجال القسم لمحاولات الاقتحام بكل شجاعة، وبذلوا أرواحهم فداءً للأرض، لتروي دماء شهدائهم الأبرار مسيرة الكفاح الوطني.
وعلى مر العقود توالت بطولات رجال الشرطة، ورغم تغير التحديات، ظل جوهر التضحية ثابتاً لا يتزعزع، وجاءت حقبتا الثمانينيات والتسعينيات بظلالها القاتمة، حيث واجهت مصر إرهاب الجماعات المتطرفة وأمراء الدم.
وفي هذه المواجهات المفتوحة مع قوى الظلام، خاض رجال الشرطة معارك ضارية لدحر الموجات الإرهابية الشرسة، دافعين ثمناً غالياً من أرواح خيرة أبناء الوطن ليرسخوا دعائم الأمن والاستقرار حتى تحقق النصر.
وعقب أحداث عام 2011، ومع تحول طبيعة التحديات وظهور خفافيش الظلام باستراتيجيات وآليات تخريبية جديدة، وقف رجال الشرطة في خندق واحد مع بواسل القوات المسلحة، شكلت هذه الوحدة سداً منيعاً تحطمت عليه محاولات اختطاف الوطن، وجاءت تلك المواجهات الحاسمة لتحفظ لأرض الكنانة مقدراتها وتصون سيادتها وهويتها.
يوم الخامس والعشرين من يناير عام 1952 كان صفحة خالدة سطرها التاريخ بدماء الأبطال في سجل نضال الشرطة المصرية، ذلك الجهاز الذي ظل دوماً صمام أمان الجبهة الداخلية، وحاملاً شعار 'النسر' ليكون سداً منيعاً ضد كل من يهدد أمن المصريين.