قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

محامل القصير.. طقوس عيدية تُعيد المدينة إلى زمنها الروحي القديم

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في مدينة القصير، جنوب البحر الأحمر، لا يمر عيد الفطر كغيره من المناسبات الدينية العابرة، بل يتحول إلى مشهد تراثي استثنائي تختلط فيه الذاكرة الشعبية بالروحانية، ويستعيد فيه الأهالي واحدة من أقدم العادات التي صمدت أمام الزمن: مهرجان المحامل.

هذا الاحتفال الذي توارثته الأجيال منذ عشرات السنين، لم يعد مجرد طقس شعبي، بل أصبح علامة ثقافية متجذرة في هوية المدينة، حيث تتزين شوارع القصير بموكب مهيب من الجمال التي تحمل فوق ظهورها "المحامل"، وسط مشاركة واسعة من السكان كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، في مشهد يندر تكراره في مدن مصر الأخرى.

تراث متوارث يربط الأحياء بالأولياء

يرى دكتور ياسر خليل، أحد أبناء القصير، أن هذا التقليد ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد تاريخي متصل ينتقل من جيل إلى آخر دون انقطاع.

ويشرح أن الاحتفال يقام في مناسبتين رئيسيتين: ليلة النصف من شعبان وعيد الفطر، حيث يقوم الأهالي بتجهيز ما يُعرف بـ"المحامل"، وهي أشبه بهياكل أو توابيت رمزية مخصصة لكل واحد من أولياء الله الصالحين الذين تنتشر أضرحتهم داخل المدينة.

وتضم القصير أكثر من عشرين ضريحًا، لكل منها مكانة روحية خاصة لدى السكان، ما يجعل المهرجان أشبه بخريطة مقدسة تسير على الأرض، تربط بين التاريخ والدين والوجدان الشعبي.

الجمال تتحول إلى رموز احتفالية

ما يميز مهرجان المحامل في القصير أنه لا يُقام داخل الساحات أو المساجد فقط، بل يخرج إلى الشوارع في صورة كرنفال شعبي، حيث يتم وضع كل "محمل" على سنام جمل، ثم تتحرك الجمال في موكب جماعي يتبعها مئات المواطنين، بينما تنتشر قوات الشرطة لتنظيم الحركة وتأمين الاحتفال.

ورغم بساطة الوسائل، إلا أن المشهد يحمل دلالات عميقة حول علاقة المجتمع المحلي بتراثه وخصوصيته الثقافية التي نجحت في مقاومة الاندثار.

مزمار ورقص وبهجة ممتدة حتى منتصف الليل

ليس الجانب الديني وحده حاضرًا في الاحتفال، بل يمتزج بالفرح الشعبي، إذ تتحول الليلة إلى مساحة مفتوحة للغناء والمزمار البلدي والرقص الجماعي، حيث يجتمع سكان المدينة من مختلف الأعمار في أجواء أقرب إلى العيد الكبير للمدينة بأكملها.

ويؤكد حمدان أن هذه الطقوس تمنح القصير حالة استثنائية من التماسك الاجتماعي، إذ تصبح المشاركة فيها واجبًا وجدانيًا أكثر من كونها مجرد عادة.

القصير.. مدينة التاريخ الذي لا ينام

من جانبه، يضع مصطفى سباق، أحد المهتمين بالتراث بمدينة القصير، الاحتفال في سياقه التاريخي الأوسع، موضحًا أن القصير ليست مدينة عادية، بل واحدة من أقدم مدن البحر الأحمر، ومرت عليها العصور الفرعونية والرومانية والبطلمية، وصولًا إلى العصر الإسلامي.

كما تحتفظ المدينة بميناء تاريخي يعد من أقدم الموانئ التي شهدت مرور القوافل والحجاج والتجارة عبر القرون، ما يجعل احتفالاتها امتدادًا طبيعيًا لتراث عمره آلاف السنين.

طقوس لا تتكرر خارج القصير

أما أحمد عبده هلال، أحد أبناء المدينة، فيرى أن المحامل ليست مجرد مظاهرة تراثية، بل طقس ديني خاص بالقصير لا يتكرر في مدينة أخرى.

ويضيف أن الأهالي اعتادوا إحياء المناسبات الكبرى بطريقتهم الفريدة، سواء في رمضان أو عيدي الفطر والأضحى أو المولد النبوي، عبر تصميم "هودج" خاص بكل شيخ أو ولي، ثم خروج هذه الهوادج من أمام الأضرحة لتطوف المدينة وسط مشاركة النساء والأطفال حتى ساعات متأخرة من الليل.

بين القداسة والتراث.. لماذا تصمد المحامل؟

في زمن تتراجع فيه الكثير من العادات الشعبية أمام الإيقاع الحديث، تبدو القصير كأنها مدينة تقاوم النسيان بطقوسها.

مهرجان المحامل ليس مجرد احتفال بعيد، بل هو تعبير عن هوية محلية متماسكة، وعن علاقة روحية وتاريخية بين السكان ومكانهم، وعن ذاكرة جماعية تتحرك فوق ظهور الجمال في كل عيد، لتقول إن التراث الحي لا يحتاج إلى متاحف، بل إلى مجتمع يؤمن به.