قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. آية الهنداوي تكتب: قانون بلا روح و عدالة مفقودة

د. آية الهنداوي
د. آية الهنداوي

لم يكن القانون في جوهره  مجرد مجموعة من النصوص الجامدة التي تُحفَظ في الكتب أو تُعلَّق على جدران المحاكم، بل وُجِد ليكون أداة لحماية الإنسان وضمان الحد الأدنى من الإنصاف والعدالة ، وصون كرامة الضعفاء قبل الأقوياء. 
غير أن التجربة اليومية في كثير من المجتمعات تكشف مفارقة مؤلمة فكلما ازداد حضور القانون شكلًا، تراجعت العدالة مضمونًا.
المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب القوانين، بل في تحوّلها إلى نصوص بلا روح تُطبَّق حرفيًا دون مراعاة للغرض الذي شُرِّعت من أجله. عند هذه النقطة لا يعود القانون حارسًا للعدالة، بل قد يتحوّل – في بعض الحالات – إلى أداة تُشرعن الظلم بدلًا من أن تمنعه.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة قانونية هو انفصالها عن الحسّ الأخلاقي والبعد الإنساني. فالقانون مهما بدا منضبطًا ودقيقًا لا يكتسب شرعيته الحقيقية من صيغته اللغوية، بل من قدرته على تحقيق الإنصاف. وحين يُستخدم النص القانوني لتبرير التمييز، أو لإقصاء الفئات الأضعف، فإننا نكون أمام قانون قائم، لكن عدالة غائبة بل ومفقودة.
وكثيرًا ما نسمع العبارة الشهيرة: «القانون لا يَظلِم، وإنما يُساء تطبيقه». غير أن الواقع يثبت أن بعض القوانين بصيغتها نفسها تحمل داخلها بذور الظلم، إما لأنها صيغت لخدمة فئة دون أخرى، أو لأنها تجاهلت السياق الإجتماعي والإنساني الذي يُفترض أن تُطبَّق فيه. فالقانون الذي لا يرى الفوارق الواقعية بين الناس ولا يعترف بظروفهم يتحوّل إلى أداة قاسية تُساوي بين غير المتساوين وتُنتج ظلمًا مقنَّعًا بشرعية قانونية.
وتزداد الأزمة تعقيدًا حين يصبح الإلتزام الحرفي بالنص أهم من تحقيق العدالة ذاتها. 
هنا، يُختزل دور القاضي أو رجل القانون في تنفيذ النص، لا في إعمال روحه. ويصبح السؤال الأخلاقي: هل هذا عادل؟! ومع الوقت، يفقد الناس ثقتهم في القانون، لا لأنه غائب، بل لأنه حاضر بطريقة لا تخدمهم.
إن العدالة ليست نقيض القانون، لكنها أيضًا ليست مرادفًا له بالضرورة. العدالة قيمة أوسع تتطلب ضميرًا حيًا، وإرادة إنصاف وقدرة على الموازنة بين النص والواقع. 
أما القانون بلا روح فهو نظام يضبط المجتمع ظاهريًا، لكنه يفرغه من الإحساس بالإنصاف ويحوّل العدالة إلى شعار لا إلى ممارسة.
ولعل أخطر نتائج هذا الإنفصال بين القانون والعدالة هو شعور المواطن بأن القانون لم يعد ملجأه الأخير، بل عبئًا إضافيًا عليه. حينها، لا يُنظر إلى القانون باعتباره حماية، بل باعتباره أداة قهر مغلَّفة بالشرعية. وهذا الشعور إن ترسّخ، يهدد أسس الثقة بين الفرد والدولة ويقوّض فكرة سيادة القانون من جذورها.
إن إعادة الإعتبار للعدالة لا تعني الفوضى ولا تجاوز القانون، بل تعني إعادة ضخّ الروح في النصوص وربطها بالمقصد الذي وُجدت من أجله. وتعني أيضا أن يكون القانون في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة القانون. وأن يكون النص وسيلة للإنصاف، لا غاية تُبرِّر أي نتيجة.
في النهاية، لا تُقاس قوة القوانين بعدد موادها ولا بصرامة لغتها، بل بقدرتها على تحقيق العدل. فحين يفقد القانون روحه لا يبقى منه سوى شكل فارغ، وحينها فقط ندرك أن العدالة ليست مفقودة لأن القانون غائب، بل لأنها أُقصيت من داخله.