أعاد مقترح إنشاء بنك وطني للأنسجة في مصر فتح واحد من أكثر الملفات الطبية والإنسانية حساسية، بعدما أثار جدلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبين الأوساط الطبية والحقوقية.
وجاءت شرارة النقاش عقب طرح النائبة في مجلس الشيوخ أميرة صابر فكرة التوسع في التبرع بالجلد بعد الوفاة لعلاج حالات الحروق الشديدة، في محاولة لتقليل الاعتماد على استيراد الأنسجة ورفع فرص إنقاذ المرضى.
وبين مؤيد يرى في الطرح خطوة إنسانية عاجلة، ومعارض يعتبره أمرًا صادمًا أو غير مألوف، عاد ملف التبرع بالأعضاء والأنسجة إلى الواجهة مجددًا في سياق صحي واجتماعي معقد.

خلفية المقترح وأهدافه الطبية
اقترحت النائبة تأسيس ما وصفته بـ"بنك وطني للأنسجة" مع تسهيل إجراءات التبرع بالجلد بعد الوفاة، مشددة على أن الهدف الأساسي هو إنقاذ أعداد كبيرة من المصابين بالحروق من الدرجات المتقدمة. وأشارت إلى أن استمرار الاعتماد على استيراد الأنسجة من الخارج يفرض أعباء مالية ضخمة، إذ قد تصل تكلفة الحالة الواحدة إلى نحو مليون جنيه، وفق ما نقلته صحف محلية.
ويعيد المقترح إحياء ملف التبرع بالأعضاء بعد الوفاة في مصر، رغم صدور قانون ينظم العملية منذ عام 2010، إلا أن تفعيله على نطاق واسع ما يزال محدودًا، الأمر الذي انعكس على قدرة المنظومة الصحية على توفير أنسجة بشرية للمرضى المحتاجين.
عاصفة مواقع التواصل بين الرفض والدعم
أثار الطرح موجة كبيرة من الجدل على المنصات الرقمية، حيث انتقد بعض المستخدمين الفكرة واعتبروها مستغربة، بل ذهب البعض إلى تشبيهها بعمليات "سلخ" بعد الوفاة، وهو توصيف أثار ردود فعل مضادة من أطباء ومثقفين.
وفي المقابل، دافع كثيرون عن المقترح بوصفه مبادرة إنسانية قد تنقذ حياة مرضى الحروق، معتبرين أن رفضه يعكس ضعف الوعي بثقافة التبرع.
رد النائبة وتأكيد البعد الإنساني
بعد موجة الانتقادات، شددت النائبة على أنها ستكون من أوائل المتبرعين بأعضائها بعد الوفاة، مؤكدة أن الهدف تخفيف معاناة آلاف الأسر، خاصة أولياء أمور الأطفال المصابين بحروق شديدة.
وأوضحت أن وجود قانون منظم منذ سنوات لم يمنع استمرار وفيات يمكن تفاديها بسبب غياب بنية تحتية جادة لبنوك الأنسجة، ما دفعها لوضع الملف ضمن أولوياتها التشريعية.
نجاح طبي أعاد إحياء الفكرة
تزامن طرح المقترح مع إعلان نجاح عملية زرع جلد لطفل يعاني حروقًا شديدة وصلت إلى 75 في المئة من جسده، وهو ما أعاد تسليط الضوء على أهمية التبرع بالأنسجة.
وكانت هبة السويدي، مؤسسة مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق، قد أشارت سابقًا إلى أن نسب النجاة من الحروق في مصر لا تتجاوز 20 في المئة في أقصى تقدير، مقارنة بنحو 90 في المئة في دول تمتلك بنوك أنسجة متطورة تعتمد على زراعة الجلد الطبيعي.
كيف يُستخدم الجلد المتبرع به طبيًا
توضح المؤسسات الطبية أن الجلد المتبرع به بعد الوفاة يُستخدم كغطاء علاجي مؤقت يُعرف عالميًا باسم Cadaver Skin، ويتم الحصول عليه من بنوك أنسجة مرخصة. ويُؤخذ من الطبقة الخارجية فقط وفق معايير طبية وقانونية صارمة.
ولا يُزرع هذا الجلد بشكل دائم، بل يُستخدم لفترة تتراوح بين أسبوعين وشهر لحماية جسم المريض من فقدان السوائل وتقليل احتمالات العدوى وتسمم الدم، وهي من أبرز أسباب الوفاة في حالات الحروق الشديدة.
حجم الأزمة الصحية في مصر
تقدّر مؤسسة أهل مصر لعلاج الحروق عدد المصابين بالحروق بنحو نصف مليون حالة، نصفهم من الأطفال، فيما تشير تقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المرضى قد تفقد حياتها سريعًا بسبب نقص الإمكانات العلاجية المتخصصة.
وتعكس هذه الأرقام حجم الفجوة بين الاحتياج الفعلي والبنية الطبية المتاحة.
قانون موجود وتطبيق محدود
رغم إقرار قانون التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية في مصر عام 2010، فإن حالات التبرع بعد الوفاة ما تزال شبه منعدمة، وفق تصريحات رسمية.
ويؤكد مسؤولو الصحة ضرورة وجود منظومة متكاملة تشمل قاعدة بيانات رقمية للمتبرعين والمرضى، إلى جانب إجراءات واضحة وشفافة تعزز ثقة المجتمع.
موقف الطب من التبرع بالجلد
ومن جانبه، أكد الدكتور ياسر حلمي أستاذ جراحة التجميل، أن الجلد المتبرع به لا يُستخدم في أغلب الحالات كحل دائم، بل كوسيلة علاجية مؤقتة تُطبَّق خصوصًا مع المصابين بحروق واسعة، حيث يعمل كغطاء حيوي يساعد على تقليل فقدان السوائل وحماية الجسم من العدوى إلى حين استقرار الحالة الصحية.
وأضاف حلمي لـ"صدى البلد"، أن هذا الإجراء يهدف بالأساس إلى كسب الوقت الطبي اللازم، إذ يُستبدل الجلد المؤقت لاحقًا بجلد يُؤخذ من جسم المريض نفسه ضمن مراحل العلاج التالية، بما يضمن استعادة التئام الأنسجة بشكل أكثر أمانًا وتقليل المضاعفات المحتملة.
وأشار إلى أن مصادر الحصول على الجلد تقتصر على مسارين واضحين: إما من متوفين حديثًا خلال فترة زمنية محدودة ووفق بروتوكولات طبية صارمة، أو من متبرعين أحياء مع الاكتفاء بأخذ طبقات سطحية لا تُحدث عجزًا أو تشوهًا، محذرًا من أن أي تجاوز لهذه الضوابط قد يفتح الباب لمخاطر طبية وأخلاقية ويضر بثقة المجتمع في المنظومة الصحية.
ودعا إلى التعامل بشفافية قبل تنفيذ فكرة إنشاء بنوك للأنسجة، مؤكدًا أن التطبيق الآمن يحتاج إلى تشريعات دقيقة ونظام رقابي لتتبع الأنسجة وفرق طبية متخصصة، مع الإشارة إلى أن الإطار الشرعي يجيز التبرع عند الضرورة لإنقاذ حياة المريض دون إلحاق ضرر بالمتبرع، وأن الأولوية يجب أن تتركز على تطوير وحدات الحروق وإنشاء بنوك جلد منظمة وتقنين التبرع بعد الوفاة لضمان تحويل الفكرة إلى آلية إنقاذ حقيقية.
رأي دار الإفتاء في التبرع بالأعضاء بعد الوفاة
أكدت دار الإفتاء المصرية أن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائز شرعًا، إذا تم وفق ضوابط واضحة تضمن صون كرامة الإنسان ومنع أي استغلال أو تجاوز. وأوضحت أن الفتوى المستقرة في الديار المصرية تُجيز نقل الأعضاء من المتوفى إلى المريض المحتاج، متى تحقق مقصد إنقاذ النفس والحفاظ على الحياة.
وشددت دار الإفتاء على ضرورة التحقق من وفاة المتبرع وفاةً شرعية تامة، تتمثل في توقف القلب والتنفس وجميع وظائف المخ توقفًا نهائيًا لا رجعة فيه، مع التأكد طبيًا من مفارقة الروح للجسد. كما اشترطت أن يكون المتوفى قد أوصى بالتبرع خلال حياته وهو في كامل وعيه وإرادته الحرة، دون أي ضغوط مادية أو معنوية.
وأوضحت أن جواز التبرع مشروط أيضًا بعدم امتهان كرامة الإنسان والالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة، مؤكدة أن هذا النوع من التبرع يندرج ضمن مقاصد الشريعة في حفظ النفس، ويسهم في إنقاذ حياة مرضى كثيرين يحتاجون إلى زراعة الأعضاء.
الجدل الديني والاجتماعي المستمر
على الرغم من صدور فتاوى من دار الإفتاء المصرية تؤكد جواز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بشرط التقنين ومنع الاستغلال، فإن الجدل المجتمعي لم يُحسم بعد، إذ لا يزال البعض ينظر إلى التبرع باعتباره انتهاكًا لحرمة الجسد.
وفي محاولة لتغيير هذا التصور، أطلق فنانون ومفكرون في 2021 حملات توعوية أعلنوا خلالها نيتهم التبرع بأعضائهم بعد الوفاة لتشجيع المجتمع على تقبل الفكرة.
ويكشف الجدل حول إنشاء بنك وطني للأنسجة في مصر عن صراع بين حاجة طبية ملحّة لإنقاذ مرضى الحروق، وبين مخاوف اجتماعية وثقافية متجذرة.
وبينما ترى المؤسسات الصحية أن التبرع بالأنسجة قد يرفع نسب النجاة ويقلل الاعتماد على الاستيراد المكلف، يبقى نجاح أي خطوة مستقبلية مرهونًا ببناء منظومة تشريعية وطبية متكاملة، إلى جانب جهود توعية مجتمعية واسعة تعيد تعريف التبرع بوصفه فعلًا إنسانيًا ينقذ الحياة.