منذ اللحظة التي أعلن فيها برشلونة تعاقده مع الألماني هانز فليك في صيف 2024 بدا واضحاً أن النادي الكتالوني يقبل على مرحلة مختلفة في مشروعه الرياضي ولم يكن التغيير مجرد تبديل مدرب بآخر بل كان تحولاً في الفلسفة في الإيقاع وفي الذهنية التنافسية لفريق اعتاد عبر تاريخه على الجمع بين المتعة والنتائج لكنه عانى في سنوات سابقة من تذبذب الاستقرار الفني.
اليوم وبعد أكثر من موسم ونصف تحت قيادة فليك لم يعد السؤال: هل نجح المدرب الألماني؟ بل أصبح: إلى أي مدى يمكن لهذا المشروع أن يهيمن أوروبياً إذا استمر بنفس النسق؟
ماكينة أهداف تقود القارة
لغة الأرقام لا تكذب فمنذ تولي فليك المسؤولية سجل برشلونة 273 هدفاً في مختلف البطولات ليصبح الفريق الأكثر تسجيلاً في أوروبا خلال هذه الفترة متفوقاً على كبار القارة. هذا الرقم لا يعكس فقط قوة هجومية بل يعبر عن هوية واضحة من خلال ضغط عال انتقالات سريعة وتنوع في مصادر التسجيل.

اللافت أن هذا التفوق الهجومي لم يكن عشوائياً أو معتمداً على لاعب واحد بل جاء نتيجة منظومة جماعية متكاملة. فبرشلونة لم يكتفِ بإحياء أسلوب الاستحواذ التقليدي بل أضاف إليه مباشرة أكبر وجرأة في إنهاء الهجمات وهو ما منح الفريق بعداً جديداً لم يكن حاضراً بنفس الحدة في مواسم سابقة.
ألقاب تؤكد التحول
النجاح لم يتوقف عند المتعة والأهداف فخلال الموسم الماضي توج برشلونة بثنائية الدوري الإسباني وكأس الملك وأضاف إلى خزائنه لقبين في السوبر المحلي خلال عامي 2025 و2026 وهذه الألقاب أعادت الفريق إلى موقعه الطبيعي كمنافس أول على البطولات المحلية ورسخت الثقة في المشروع الفني الجديد.

وعلى الصعيد القاري قاد فليك الفريق إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا في مشوار شهد أداءً لافتاً قبل أن يتوقف الحلم أمام إنتر ميلان الإيطالي في مواجهة مثيرة انتهت بنتيجة 7-6 في مجموع المباراتين ورغم الإقصاء خرج برشلونة من البطولة بصورة فريق قادر على مقارعة كبار أوروبا حتى اللحظة الأخيرة.
مقارنة تكشف الفارق
المثير أن أقرب ملاحقي برشلونة تهديفياً هو بايرن ميونخ الفريق السابق لهانز فليك برصيد 267 هدفاً منذ صيف 2024. المفارقة هنا أن المدرسة نفسها تقريباً تتصدر المشهد لكن النسخة الكتالونية تبدو أكثر اكتمالاً على مستوى الحصيلة الرقمية.

بايرن بدوره توج بلقب الدوري الألماني الموسم الماضي ويتصدر الترتيب حالياً إلى جانب فوزه بلقبين في السوبر المحلي ما يؤكد أن المنافسة على عرش الهجوم الأوروبي تدور بين مدرستين متقاربتين في الفلسفة لكن برشلونة حسم الصدارة بالأرقام.
وفي المركز الثالث جاء باريس سان جيرمان برصيد 246 هدفاً في فترة ذهبية شهدت تتويجه بالدوري والكأس ودوري أبطال أوروبا والسوبر المحلي والسوبر القاري وكأس "فيفا إنتركونتيننتال" ما يعكس شراسة السباق بين القوى الكبرى في القارة.

أما ريال مدريد فحل رابعاً برصيد 229 هدفاً مكتفياً بلقبي السوبر الأوروبي وكأس "فيفا إنتركونتيننتال" في 2024 دون تحقيق ألقاب محلية في هذه الفترة وهو ما يسلط الضوء على التحول في ميزان القوى داخل إسبانيا لصالح برشلونة.
ثورة ذهنية قبل أن تكون فنية
ما يميز تجربة فليك مع برشلونة لا يقتصر على الجانب التكتيكي. فالرجل أعاد للفريق شخصية البطل وأصبح برشلونة أكثر شراسة في المباريات الكبيرة وأقدر على العودة في النتائج وأكثر ثباتاً على مدار الموسم.
المدرب الألماني المعروف بانضباطه الصارم وتركيزه العالي نجح في خلق بيئة تنافسية داخل غرفة الملابس حيث لم يعد الاسم وحده كافياً لضمان المشاركة وهذا التوازن بين الصرامة والمرونة انعكس إيجاباً على الأداء الجماعي.

كما أن ارتفاع المعدل التهديفي يشير إلى تطور ملحوظ في الجاهزية البدنية وهو أحد أهم عناصر فلسفة فليك التدريبية القائمة على الضغط المكثف والتحرك المستمر بدون كرة.
أوروبا الهدف التالي
رغم كل النجاحات المحلية يبقى التحدي الأكبر هو استعادة لقب دوري أبطال أوروبا والوصول إلى نصف النهائي كان خطوة مهمة لكنه كشف أيضاً أن الفريق لا يزال بحاجة إلى بعض النضج في التفاصيل الحاسمة أمام كبار القارة.

الموسم الحالي يبدو اختباراً حقيقياً لمدى قدرة برشلونة على ترجمة تفوقه الهجومي إلى تتويج أوروبي فالأرقام وحدها لا تمنح الكؤوس لكنها تمنح الثقة والزخم.
سباق القمة مستمر
خلف برشلونة وبايرن وباريس وريال مدريد تظهر أندية إنجليزية مثل مانشستر سيتي (218 هدفاً) وتشيلسي بفارق ثلاثة أهداف أقل إلى جانب إنتر ميلان (199 هدفاً) وأرسنال وليفربول وبوروسيا دورتموند ما يعكس شدة التنافس بين الدوريات الكبرى.

لكن في الوقت الحالي تبقى الكلمة العليا لبرشلونة الذي تحول تحت قيادة فليك إلى ماكينة أهداف لا تتوقف وفريق يجمع بين الجمال والفعالية.

