في شمال السودان، لم تعد صحراء بيوضة مجرد رقعة رملية مهملة كما كانت تُرى لعقود طويلة، بل أصبحت محور اهتمام اقتصادي واستراتيجي غير مسبوق وسط سباق عالمي نحو المعادن التي تشكل مستقبل التكنولوجيا والطاقة النظيفة. في السنوات الماضية ظل الذهب هو حجر الزاوية في التعدين السوداني، لكن تغيرات في الأسواق العالمية دفعت الخبراء وصناع القرار نحو البحث عن موارد جديدة ذات قيمة عالية، وعلى رأسها ليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية والأنظمة المتجددة للطاقة، وقد كشفت دراسات جيولوجية ومسوح حديثة عن مؤشرات واعدة قد تجعل بيوضة لاعبًا محوريًا في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الاستراتيجية إن تمكن السودان من استثمارها بكفاءة.
صحراء بيوضة تقع غرب نهر النيل وتمتد على مساحة تقارب 100 ألف كيلومتر مربع، وتضم تنوعًا جيولوجيًا بين تكوينات بركانية ورملية قد تحولها إلى كنز اقتصادي حقيقي إذا ما استُغل علميًا، وقد بدأت الحكومة السودانية بتوجيه ميزانيات أكبر لأعمال المسح الجيولوجي وإعداد خرائط جيولوجية وجيوكيميائية تدعم جهود الاستكشاف، لكن هذا التحول لا يخلُ من تحديات تتعلق بالحوكمة وإدارة الموارد والاستثمار البنّاء بعيدًا عن التنازع والنهب العشوائي الذي طال بعض المواقع الأثرية في السودان خلال الصراعات الأخيرة.
القيمة المحتملة لثروات بيوضة لا ترتبط فقط بالمعادن الحديثة، بل تمتد إلى أبعاد تاريخية وحضارية؛ فقد حددت بعثات أثرية مواقع متعددة تعود لآلاف السنين، كما اكتُشفت بحيرات مالحة قديمة ونترات نادرة مرتبطة بالتاريخ القديم للمنطقة، ما يضيف بعدًا ثقافيًا إلى القيمة الاقتصادية المحتملة للصحراء وقد يشجّع الاستثمار في مجالات السياحة والتراث بجانب التعدين، لكن عدم الاستقرار الأمني في أجزاء من البلاد والتهديدات التي تواجه المواقع الأثرية بما في ذلك نزاعات نهب وترحيل القطع الأثرية يشكلان عقبة أمام تحقيق هذه الفرص بشكل مستدام.
السباق الخفي حول موارد بيوضة ليس محليًا فقط، إذ تتنافس دول متعددة على تأمين مصادر المعادن الاستراتيجية في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، ومع تطور الطلب العالمي على الطاقة النظيفة والتكنولوجيات العالية، فإن ثروة بيوضة يمكن أن تجعل السودان لا مجرد مصدر للذهب بل منافسًا مهمًا في سوق المعادن العالمية إذا ما تم تهيئة بيئة الاستثمار وتبني سياسات شفافة في البحث والاستغلال.
في نهاية المطاف، يقف السودان أمام خيار تاريخي بين استثمار علمي وحكيم يجعل من صحراء بيوضة رافعة تنموية حقيقية، وبين ضياع الفرص في ظل تحديات الإدارة والأمن والنهب، وسيحدد هذا الخيار مدى تأثير هذا الكنز المدفون في إعادة رسم خريطة الثروة والاقتصاد على الساحة الإفريقية والعالمية خلال السنوات المقبلة.