قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

رحيل أم المجاهدين.. الحاجة فرحانة السيناوية تطوي صفحة من بطولات الظل

رحيل “أم المجاهدين”.. الحاجة فرحانة السيناوية تطوي صفحة من بطولات الظل
رحيل “أم المجاهدين”.. الحاجة فرحانة السيناوية تطوي صفحة من بطولات الظل

في لحظة امتزج فيها الحزن بالفخر، ودّعت مصر إحدى أيقونات المقاومة الشعبية في سيناء، الحاجة فرحانة السيناوية، الشهيرة بلقب "أم داود"، بعد رحلة طويلة من العطاء الوطني والعمل في صمت. 

لم تكن الراحلة مجرد سيدة بدوية عاشت زمن الاحتلال، بل كانت نموذجًا حيًا لبطولة شعبية صاغتها الإرادة والإيمان، بعيدًا عن الأضواء، وقريبة من نبض الأرض التي أحبتها ودافعت عنها بطريقتها الخاصة. 

وبرحيلها، تُطوى صفحة مضيئة من صفحات الكفاح السيناوي، لكنها تبقى محفورة في الذاكرة الوطنية.

خلفية تاريخية.. سيناء في قلب المواجهة

عاشت الحاجة فرحانة واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ سيناء الحديث، عقب نكسة يونيو 1967، حين خضعت شبه الجزيرة للاحتلال، وواجه أبناؤها تحديات قاسية بين التهجير القسري وتقييد الحركة ومحاولات طمس الهوية. 

وكغيرها من العائلات السيناوية، اضطرت إلى مغادرة أرضها متجهة إلى محافظات الصعيد والدلتا، في رحلة نزوح مؤلمة، قبل أن تعود لاحقًا إلى محيطها لتلعب دورًا وطنيًا بارزًا في دعم أجهزة الدولة المصرية خلال سنوات الاحتلال.

في تلك الأجواء المشحونة، لم تكن المقاومة حكرًا على السلاح، بل اتخذت أشكالًا متعددة، كان أبرزها العمل الاستخباراتي الشعبي ونقل المعلومات.

وهنا برز دور الحاجة فرحانة، التي حولت بساطتها إلى وسيلة للمناورة، وإيمانها إلى قوة دافعة نحو الفعل.

سيدة بسيطة.. ومهمة معقدة

لم تجيد الحاجة فرحانة القراءة أو الكتابة، لكنها امتلكت ما هو أثمن: ذاكرة قوية، ووعيًا وطنيًا عميقًا، وقدرة استثنائية على الرصد والملاحظة. 

اتخذت من عملها في تجارة الأقمشة والملابس غطاءً لتحركاتها بين المحافظات وسيناء، فكانت تتنقل بشكل طبيعي في إطار نشاطها التجاري، بينما تنقل في الوقت ذاته معلومات دقيقة حول تحركات العدو وتمركزاته.

كانت تعتمد على الحفظ الذهني لتسجيل التفاصيل الدقيقة، من مواقع وآليات وأعداد، في زمن كانت فيه المعلومة تمثل عنصرًا حاسمًا في معادلة المواجهة. 

وأسهمت تقاريرها غير المكتوبة في دعم الجهود الوطنية، لتصبح واحدة من أبرز السيدات السيناويات اللاتي شاركن في معركة الوعي والمعلومة خلال سنوات الاحتلال.

رمز للمرأة السيناوية المكافحة

لم يكن دور الحاجة فرحانة مجرد مهمة عابرة، بل امتدادًا لروح المرأة السيناوية التي جمعت بين الصبر والتحمل والشجاعة. فقد عاشت سنوات القلق والترقب، مدفوعة بإيمان عميق بأن الأرض ستعود، وأن الاحتلال إلى زوال. 

ورغم المخاطر المحيطة، واصلت أداء دورها بإخلاص دون انتظار مقابل أو شهرة.

واكتسبت لقب "أم المجاهدين" تقديرًا لمواقفها الوطنية، واعترافًا بدورها في دعم مسيرة الصمود السيناوي. وبقي اسمها حاضرًا في الوجدان الشعبي، باعتبارها نموذجًا للبطولة الهادئة التي لا تبحث عن الأضواء.

تكريم رسمي يخلّد المسيرة

تقديرًا لعطائها الوطني، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتكريمها خلال احتفالية اتحاد القبائل العربية والعائلات المصرية بذكرى انتصارات أكتوبر، حيث تم إطلاق اسمها على أحد الأحياء في سيناء ومحور بالقاهرة. 

وجاء هذا التكريم ليعكس اعتزاز الدولة برموزها الشعبية التي ساهمت في حماية الوطن، وليؤكد أن بطولات الظل لا تسقط من الذاكرة.

إرث باقٍ بعد الرحيل

برحيل الحاجة فرحانة، تفقد مصر واحدة من بطلاتها المجهولات اللواتي كتبن فصولًا من التضحية دون أن يسطرن أسماءهن في الكتب. لكنها تركت إرثًا معنويًا عظيمًا، يتمثل في سيرة وطنية ملهمة تؤكد أن الدفاع عن الأرض لا يقتصر على ساحات القتال، بل يمتد إلى كل جهد صادق يُبذل في سبيل الوطن.

ستبقى "أم داود" شاهدًا على دور المرأة المصرية في معركة الكرامة والتحرير، وعلى أن الوطنية فعل يومي يتجسد في الشجاعة والصبر والإخلاص. 

ومع أن الجسد غاب، فإن سيرتها ستظل حاضرة في وجدان سيناء ومصر كلها، باعتبارها واحدة من أيقونات الصمود الشعبي في العصر الحديث.