قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

كل يوم أبحث في البحر عن ابني| 12 يوما من الدموع والأمل.. صرخة أم تكسر الصمت في مأساة طفل العلمين المفقود

صورة الطفل
صورة الطفل

في واقعة إنسانية موجعة هزّت مشاعر الأهالي، لا تزال أسرة طفل يبلغ من العمر 10 سنوات تعيش على وقع صدمة اختفائه بعدما جرفته الأمواج في شواطئ مدينة العلمين بمحافظة مطروح، بالتزامن مع العاصفة الترابية التي ضربت الساحل الشمالي يوم الجمعة الماضي. اثنا عشر يومًا مرّت منذ تلك اللحظة، دون أن يُعثر على أي أثر للطفل، لتتحول القصة من حادث عابر إلى مأساة مفتوحة على كل الاحتمالات.

على الشاطئ، تقف الأم كل صباح، تحدق في الأفق البعيد، وكأنها تنتظر أن يعود صغيرها من بين الأمواج. لا شيء يبدد صمت البحر سوى دعائها المتواصل، ولا شيء يخفف ألمها سوى خيط رفيع من الأمل تتمسك به رغم قسوة الواقع.

 

أسبوع زيارة تحول إلى مأساة

وتروي الأم تفاصيل ما حدث بصوت يملؤه الانكسار: كنت منفصلة عن والد الطفل، الذي جاء من مدينة العلمين لاصطحاب ابنيه لقضاء أسبوع معه. هي تقيم في المنوفية، ووافقت على أن يقضي الطفلان بعض الوقت مع والدهما.

وتقول إن الأمور كانت طبيعية في بدايتها. خرج الطفل ليلعب أمام المنزل مع أصدقائه، كما اعتاد أن يفعل. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول لحظات اللعب البريئة إلى مأساة. الأطفال اصطحبوا محمد إلى منطقة قريبة من البحر، حيث كان هناك "فلا" عائمة يستخدمها الصغار للعب. وبينما كانوا يتناوبون الركوب عليها، تعرض محمد لدفعة قوية من أحدهم، فسقط في الماء.

في لحظة خاطفة، كانت الموجة أعلى من الجميع، فحملته بعيدًا. كان والده نائمًا في المنزل، ولم يدرك ما حدث إلا بعد فوات الأوان.

كاميرات توثق اللحظات الأخيرة

بحسب رواية الأم، أظهرت كاميرات المراقبة الطفل وهو لا يزال متشبثًا بالعوامة، حيًا، قبل أن تجرفه المياه إلى الجهة الأخرى. المسافة بين مكان سقوطه ومقر إقامة والده لا تتجاوز خمس دقائق، لكن الرياح كانت شديدة والبحر هائجًا.

تؤكد الأم أن هناك من شاهد الواقعة من بعيد، لكن أحدًا لم ينزل لإنقاذ الطفل. “كانوا يرونه، لكنهم اكتفوا بالمشاهدة”، تقولها بحسرة. وتشير إلى أن التيار كان يتجه نحو طريق الإسكندرية، ما يزيد من احتمالية أن يكون قد جرفته المياه لمسافة بعيدة.

استغاثة متأخرة وبحث محدود

وتوضح الأم أن فرق الغطس لم تصل إلا في اليوم الثامن من اختفاء الطفل. وتقول إن عمليات البحث اقتصرت على تمشيط الشاطئ من الخارج، دون التوغل في المياه بعمق كافٍ. استمرت المحاولات ليومين فقط، قبل أن تُبلغ الأسرة بأن البحث سيتوقف.

“قالوا خلاص مش جايين تاني”، تروي الأم. لكنها ترفض الاستسلام، وتؤكد أن إحساسها كأم يخبرها أن ابنها لا يزال على قيد الحياة، وربما أنقذه أحد المارة أو الصيادين دون أن يعرف هويته.

أم تبحث وحدها

منذ اختفاء محمد، تحولت حياة والدته إلى رحلة يومية على الشاطئ. تذهب كل يوم، تمشي لساعات طويلة، تنظر إلى الأمواج، تسأل الصيادين، وتتأمل أي أثر قد يدلها عليه. يرافقها والدها وإخوتها أحيانًا، بينما يؤكد والد الطفل أنه حرر محضرًا رسميًا ويتابع الإجراءات.

بين الأمية وقسوة التعليقات

بعيدًا عن ألم الفقد، تواجه الأم تحديًا آخر. فهي لا تجيد القراءة والكتابة، وتعتمد على التسجيلات الصوتية لنشر استغاثتها عبر الإنترنت. تقول إنها تكتب ما تستطيع قوله، ويقوم أحد التطبيقات بقراءته لها. إخوتها يساعدونها في نشر المناشدات، لكنها لا تستطيع متابعة التعليقات أو الرد على ما يُكتب.

“أنا مليش في الحاجات دي”، تقولها ببساطة موجعة. بعض التعليقات تؤلمها، وأخرى تمنحها بصيص أمل، لكنها في النهاية أم تبحث عن ابنها، لا عن جدل أو اتهامات.

ورغم مرور 12 يومًا، لا تزال الأم متمسكة بالأمل. تؤمن أن البحر قد لا يكون النهاية، وأن قلبها يخبرها بأن طفلها حي. تناشد كل من يستطيع المساعدة غواصين، صيادين، أو حتى مواطنين عاديين أن يشاركوا في البحث أو ينشروا صورته.

تختتم حديثها بنبرة ثابتة رغم الدموع.. هي لا تريد سوى أن تعرف مصير ابنها، أن تحتضنه من جديد، أو على الأقل أن ينتهي هذا الانتظار القاسي. وبين أمواج البحر الممتدة، تبقى قصتها شاهدًا على ألم أم لا تملك سوى الدعاء.

حكاية أم لا تملك سوى الدعاء

قصة الطفل المفقود في شواطئ العلمين لم تعد مجرد حادث غرق محتمل، بل تحولت إلى حكاية أم تقاوم اليأس بالإيمان، وتواجه البحر المفتوح بقلب مثقل بالرجاء. بين الأمواج الممتدة وأفق لا ينتهي، تبقى صورتها وهي تقف كل صباح على الشاطئ رمزًا لألم لا يُحتمل، وأمل لا يموت.

وفي ظل صمت البحر، يبقى السؤال الأكبر معلقًا في قلب أم تنتظر: أن يعود ابنها، أو أن تجد إجابة تنهي هذا الانتظار الذي طال أكثر مما يحتمل قلب بشر.