اختتم مجمع البحوث الإسلامية بـ الأزهر الشريف فعاليات «الأسبوع الدعوي التاسع عشر» بجامعة الأزهر، والذي أُقيم تحت عنوان: «انتصارات العاشر من رمضان واستشراف المستقبل»، وذلك برعاية فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة وكيل الأزهر أ.د. محمد الضويني، والأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أ.د. محمد الجندي.
وشهدت كلية العلوم الإسلامية للوافدين ختام الفعاليات بندوة علمية بعنوان: «أوطاننا أمانة»، بحضور أ.د. نهلة الصعيدي عميد كلية العلوم الإسلامية للوافدين، وفضيلة الدكتور حسن يحيى الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة، وأ.د. شهيدة مرعي وكيل الكلية، وفضيلة الدكتور صلاح السيد مدير التوجيه العام بمجمع البحوث الإسلامية، والدكتور حسام شاكر عضو هيئة التدريس بكلية الإعلام بجامعة الأزهر.
في مستهل الندوة، أكدت أ.د. نهلة الصعيدي أن الحديث عن الوطن لا ينحصر في كونه رقعة جغرافية يعيش عليها الإنسان، بل هو كيان حيّ نابض بالقيم والمبادئ والانتماء، يقوم على المسؤولية المشتركة بين جميع أفراد المجتمع.
وأوضحت أن حماية الأوطان لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، وإنما تمتد لتشمل الأبعاد الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، بما يتطلب وعيًا حقيقيًا بطبيعة التحديات والمخاطر التي قد تهدد استقرار المجتمعات وتماسكها.
وشددت على أن المؤسسات التعليمية والدعوية تتحمل مسؤولية كبيرة في ترسيخ هذه القيم في نفوس الشباب، بوصفها القنوات الرئيسة لغرس روح الانتماء، وتعزيز ثقافة العمل والبناء، وتحصين العقول من الأفكار الهدامة التي تستهدف تفكيك العلاقة بين الإنسان ووطنه.
وأشارت إلى أن الأزهر الشريف يضطلع بهذا الدور من خلال برامجه التوعوية، وحواراته المفتوحة مع الشباب في الجامعات والتجمعات المختلفة، فضلًا عما يقدمه عبر منصاته الرقمية، إيمانًا بأن الشباب هم السواعد التي تُبنى بها الأوطان.
وأضافت أن الانتماء للوطن لا يقتصر على مشاعر الحب والولاء، بل يتجسد في ممارسات عملية واضحة، كالمشاركة المجتمعية، والعمل التطوعي، والإتقان في أداء الواجبات، وترسيخ القيم الأسرية التي تسهم في استقرار المجتمع، مؤكدة أن حب الطلاب الوافدين لمصر يعكس ما لمسوه من تقدير المصريين لوطنهم واعتزازهم به، كما أن احتضان مصر لآلاف الطلاب الوافدين من مختلف دول العالم يجسد طبيعة هذا البلد القائم على قيم التسامح والانفتاح، ويؤكد مكانته حاضنةً للعلم والثقافة.
من جانبه، أوضح الدكتور حسن يحيى أن بناء المجتمع يقوم على أركان تحفظ تماسكه وقوته؛ في مقدمتها دينٌ متبع يحصن السلوك ويمنع الانحراف، وسلطانٌ قاهر يتمثل في دولة قوية قادرة على حماية أمنها وصون استقرارها، وعدلٌ عام يحقق الطمأنينة بين الناس، إلى جانب خصبٍ دائم في مجالات المعرفة والإنتاج، وأملٍ فسيح يقود الأمة نحو المستقبل. وأكد أن ضعف الدولة يفتح المجال أمام طمع الأعداء واستباحة الأوطان، مشيرًا إلى أن الأمن القومي لا يقتصر على حماية الحدود الجغرافية، بل يشمل حماية العقيدة والفكر والثقافة.
وبيّن أن محاولات تفكيك المجتمعات الإسلامية تستهدف التشكيك في ثوابتها الدينية وقيمها الأخلاقية، من خلال أطروحات تسعى إلى فصل الأمة عن مرجعيتها، مؤكدًا أن الدين يمثل أساس النهضة والرابط الجامع بين الشعوب، وأن الحفاظ عليه ضرورة لصيانة المجتمعات من التفكك. واستشهد بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في حبه لوطنه، مبينًا أن الارتباط بالأوطان قيمة فطرية أصيلة.
فيما أكدت أ.د. شهيدة مرعي أن ترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية لدى الطلاب، ولا سيما الوافدين، يمثل أولوية في ظل التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة، مشيرة إلى أن رسالة الأزهر لا تقتصر على تعليم العلوم الدينية، بل تمتد إلى بناء شخصية متوازنة تجمع بين العلم الشرعي والوعي بقضايا المجتمع. وأوضحت أن علماء المسلمين عبر التاريخ قدموا نماذج رائدة في خدمة أوطانهم، بوعيهم بالتحديات المحيطة وإسهامهم الفاعل في نهضة مجتمعاتهم واستقرارها.
وفي السياق ذاته، شدد الدكتور صلاح السيد على أن قوة الأوطان تنبع من وعي أبنائها وقدرتهم على مواجهة الشائعات التي تستهدف زعزعة الاستقرار وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن ترسيخ قيم العمل والإنتاج يمثلان من أهم وسائل الحفاظ على قوة الوطن.
وأوضح أن الحفاظ على الأوطان مسؤولية دينية وأخلاقية، تتطلب تضافر الجهود وتعزيز الانتماء الحقيقي القائم على العمل والوعي.
بدوره، أكد الدكتور حسام شاكر أن حب الوطن قيمة راسخة في الوعي الإسلامي، تجلت في الدفاع عنه وصون مقدراته عبر التاريخ، مشيرًا إلى أن الشعب المصري قدّم نموذجًا واضحًا لهذا المعنى في حرب العاشر من رمضان، حين ارتبط النصر بالإيمان بعدالة القضية. وأوضح أن علماء الأزهر كانوا عبر تاريخهم في طليعة المدافعين عن الوطن، وأن احتضان مصر للطلاب الوافدين من شتى بقاع العالم يعكس رسالتها الحضارية والعلمية القائمة على التسامح والانفتاح.

