في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد حدة الرسائل السياسية والعسكرية المتبادلة في منطقة الخليج، عاد الجدل مجددًا حول طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها إيران في التعامل مع أزمات المنطقة.
وجاء اعتذار الرئيس الإيراني لدول الجوار ليطرح تساؤلات واسعة حول دلالاته الحقيقية، خاصة في وقت ما تزال فيه بعض الهجمات والتحركات الميدانية تنسب إلى طهران في عدد من ساحات التوتر بالمنطقة.
وبينما اعتبر بعض المراقبين أن الاعتذار قد يعكس محاولة لتهدئة الأوضاع واحتواء التصعيد مع دول الخليج، يرى آخرون أن الخطوة قد تكون جزءًا من إدارة الصراع أكثر من كونها مؤشرًا على إنهائه.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الرسائل الدبلوماسية تمهد لمرحلة من التهدئة، أم أنها تمثل إعادة تموضع في معادلة النفوذ والتوازنات الإقليمية.
سعيد الزغبي: اعتذار الرئيس الإيراني لدول الخليج لا يعني تغيير الاستراتيجية.. طهران تدير الصراع ولا تنهيه
قال أستاذ العلوم السياسية سعيد الزغبي في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن اعتذار الرئيس الإيراني لدول الخليج لا يعني بالضرورة حدوث تغيير جذري في الاستراتيجية الإيرانية، موضحًا أن طهران تسعى في هذه المرحلة إلى إدارة الصراع وليس إنهاءه.
وأشار إلى أن إيران تحاول إرسال رسالة لدول الخليج مفادها أنها لا ترغب في الدخول في حرب مباشرة، لكنها في الوقت ذاته لن تتخلى عن أدوات الضغط والنفوذ التي تمتلكها في المنطقة.
وأضاف الزغبي أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تدار من مؤسسة واحدة، بل تخضع لتوازنات داخلية معقدة فبينما يميل الرئيس الإيراني إلى استخدام خطاب دبلوماسي يسعى لاحتواء التوتر، يبقى القرار الأمني والعسكري في يد مؤسسات أكثر صلابة، مثل الحرس الثوري الإيراني المرتبط بشكل مباشر بالمرشد الأعلى ولهذا قد تظهر في العلن لغة تهدئة سياسية، بينما تستمر في الواقع أدوات الضغط الميداني على الأرض.
استراتيجية “الضغط دون الانفجار” في إدارة التوترات
وأوضح أن من أبرز الاستراتيجيات التي تعتمد عليها إيران في إدارة هذا المشهد ما يمكن وصفه بسياسة “الضغط دون الانفجار”، حيث تتحرك طهران غالبًا وفق ما يسميه بعض الباحثين بسياسة حافة الهاوية، أي إبقاء المنطقة في حالة توتر محسوب دون الوصول إلى حرب شاملة.
ولفت إلى أن الاعتذار في هذا السياق قد يكون وسيلة لاحتواء ردود الفعل الدولية، في حين تهدف بعض التحركات الميدانية إلى الحفاظ على أوراق الضغط الإقليمية.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن أحد أدوات طهران الأساسية في إدارة الصراع يتمثل في استخدام الوكلاء، حيث إن كثيرًا من العمليات التي تشهدها المنطقة لا تنفذ بشكل مباشر من الدولة الإيرانية، بل عبر شبكات حلفاء أو فاعلين غير دولتيين في أكثر من ساحة.
ويمنح هذا الأسلوب إيران مساحة من الإنكار السياسي، وهو ما يعرف في العلوم السياسية بمفهوم “الردع بالإنكار”؛ حيث تقدم رسائل تهدئة دبلوماسية في العلن، بينما تستمر الضغوط الميدانية عبر أطراف أخرى.
رسائل مزدوجة للخليج والغرب
وأضاف الزغبي أن الاعتذار الإيراني يحمل كذلك رسالة مزدوجة للخليج والغرب، فبينما يؤكد أن إيران لا تسعى إلى حرب مفتوحة مع دول الخليج، فإنه في الوقت ذاته لا يعني التخلي عن النفوذ الإقليمي.
وقال إن استمرار بعض العمليات أو الضغوط يمثل رسالة مفادها أن أمن الخليج لا يمكن فصله عن المصالح الاستراتيجية لإيران.
وتابع أن حسابات الداخل الإيراني تلعب دورًا مهمًا في هذا المشهد، إذ تحاول القيادة الإيرانية في أوقات التوتر الإقليمي تحقيق توازن بين خطاب دبلوماسي يخفف الضغوط الدولية، وبين إظهار قدر من الصلابة أمام الداخل والقواعد السياسية المتشددة.
وواصل: قد يبدو المشهد أحيانًا وكأنه تناقض بين التهدئة والتصعيد، لكنه في الحقيقة مزيج محسوب بين المسارين.
وأضاف الزغبي أن ما نشهده حاليًا لا يمثل تناقضًا في السياسة الإيرانية بقدر ما يعكس نمطًا متكررًا في إدارة الصراع، حيث تجيد طهران التحرك على حافة التوازن بين التهدئة والتصعيد.
وأوضح أن الرسالة الإيرانية في هذه الحالة تبدو واضحة: الاعتذار لا يعني التراجع، بل إعادة تموضع داخل معادلة الصراع، في إطار محاولة لإبقاء أوراق النفوذ والضغط حاضرة على طاولة أي مفاوضات مستقبلية حول توازنات القوة في المنطقة.