في عالم تحكمه الإشعارات المتواصلة والتنبيهات التي لا تنتهي، بات الهاتف الذكي رفيقاً دائماً لمعظم الناس، خصوصاً الشباب. لكن هذا الارتباط المتزايد بالتكنولوجيا بدأ يثير قلقاً واسعاً، بعدما تحول لدى كثيرين إلى ما يشبه الإدمان الذي يلتهم الوقت ويؤثر على الصحة النفسية والتركيز. وبينما تتزايد المخاوف من ظاهرة "الإدمان على الشاشة"، يبحث الشباب حول العالم عن طرق مبتكرة لكسر هذه الحلقة الرقمية، في محاولة لاستعادة التوازن بين الحياة الواقعية والعالم الافتراضي.
إدمان الشاشة.. ظاهرة عالمية تتفاقم
خلال السنوات الأخيرة، أصبح استخدام الهواتف الذكية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية. غير أن هذا الاستخدام المفرط تحول لدى البعض إلى حالة من الاعتماد المفرط أو ما يعرف بـ"إدمان الشاشة".
وتشير تقارير حديثة إلى أن كثيراً من الأشخاص يقضون ساعات طويلة يومياً أمام شاشات هواتفهم، سواء في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو متابعة الأخبار أو مشاهدة الفيديوهات.
هذه الظاهرة دفعت عدداً متزايداً من الشباب إلى البحث عن وسائل تساعدهم على تقليل الوقت الذي يقضونه أمام الهاتف، بعدما أدركوا أن الأمر لم يعد مجرد عادة عادية، بل سلوك يؤثر على الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية وحتى جودة النوم.
"بريك".. مكعب صغير في مواجهة الهاتف
في خضم هذه المحاولات، ظهرت أدوات وتقنيات جديدة تهدف إلى مساعدة المستخدمين على تقليل وقت الشاشة. ومن أبرز هذه الابتكارات قطعة صغيرة تحمل اسم "بريك" (Brick)، والتي بدأت تحظى بشعبية متزايدة بين الشباب.
هذه القطعة عبارة عن مكعب رمادي صغير، يقارب حجمه علبة سماعات الهاتف، ويبلغ سعره نحو 59 دولاراً. وتعمل الفكرة ببساطة على حجب بعض التطبيقات التي يحددها المستخدم مسبقاً، ما يساعده على الابتعاد عن الهاتف لفترات أطول.
ولتشغيل الجهاز، يختار المستخدم التطبيقات التي يرغب في تعطيلها، ثم يلمس الهاتف بقطعة "بريك"، لتبدأ عملية الحجب تلقائياً. ويقول مطورو الجهاز إن استخدامه يمكن أن يقلل من وقت الشاشة بما يصل إلى ثلاث ساعات يومياً.
شعبية متزايدة بين الشباب
لاقت هذه الفكرة صدى واسعاً، خاصة بين الفئة العمرية التي تتراوح بين 20 و35 عاماً. وتشير تقديرات شركة الأبحاث "سينسر تاور" إلى أن تطبيق Brick شهد ارتفاعاً كبيراً في عدد مرات تنزيله، حيث زادت عمليات التحميل في يناير الماضي بنسبة تقارب 600% مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى نحو 170 ألف عملية تنزيل.
ويرى خبراء التكنولوجيا أن هذا الاهتمام المتزايد يعكس تحوّلاً في نظرة المستخدمين إلى التكنولوجيا نفسها، فبعد سنوات من السعي لامتلاك أحدث الأجهزة والتطبيقات، بدأ البعض يبحث عن وسائل تساعده على تقليل الاعتماد عليها.
صعود "التقنيات المضادة للتكنولوجيا"
لا يقتصر الأمر على جهاز "بريك" فقط، بل يأتي ضمن اتجاه أوسع يعرف بـ"التقنيات المضادة للتكنولوجيا"، وهي أدوات تهدف إلى الحد من الإغراءات الرقمية.
ومن بين هذه الأدوات تطبيق Opal، الذي يتيح للمستخدمين حجب التطبيقات المشتتة للانتباه لفترات محددة. ويقول مطورو التطبيق إن المستخدمين ابتعدوا بفضله عن هواتفهم لأكثر من 200 مليون ساعة منذ إطلاقه عام 2020.
كما يقدم تطبيق Forest تجربة مختلفة؛ إذ يقوم المستخدم بزراعة شجرة افتراضية تنمو كلما ابتعد عن هاتفه لفترة أطول. وإذا حافظ على هذه العادة، تقوم الشركة بزراعة شتلة حقيقية في أفريقيا تكريماً له، في محاولة لربط السلوك الرقمي الإيجابي بفائدة بيئية حقيقية.
العودة إلى الهواتف البسيطة
ومن المظاهر اللافتة أيضاً في مواجهة الإدمان الرقمي عودة بعض المستخدمين إلى ما يعرف بالهواتف "البسيطة"، وهي الهواتف التي تفتقر إلى الشاشات اللمسية والتطبيقات المعقدة.
فبعد أن كانت هذه الهواتف تُعد رمزاً لكبار السن أو للأشخاص غير المهتمين بالتكنولوجيا، أصبحت اليوم خياراً يراه البعض أكثر حكمة وأناقة، لأنه يسمح باستخدام الهاتف للوظائف الأساسية فقط دون الوقوع في دوامة التطبيقات.
مبادرات اجتماعية للانفصال عن العالم الرقمي
لم تتوقف الجهود عند حدود التكنولوجيا، بل امتدت إلى مبادرات اجتماعية تهدف إلى تشجيع الناس على الانفصال المؤقت عن الهواتف.
ومن أبرز هذه المبادرات نادي "أوفلاين" (Offline Club)، الذي ينظم لقاءات وأنشطة ورحلات يُمنع خلالها استخدام الهواتف الذكية. وقد انتشرت هذه المبادرة في 19 مدينة أوروبية منذ انطلاقها في أمستردام عام 2024.
ويقول إيليا كنيبلهوت، أحد القائمين على هذه المبادرة، إن هناك "رغبة جامحة لدى كثير من الناس في الانفصال عن العالم الرقمي ولو لفترة قصيرة".
الإرهاق الرقمي.. ثمن الاتصال الدائم
يرى الباحثون أن ما يدفع كثيرين إلى البحث عن هذه الحلول هو ما يُعرف بـ"الإرهاق الرقمي". فمع انتشار العمل عن بعد والتواصل عبر الإنترنت، يشعر الكثيرون بأنهم مطالبون بالبقاء متصلين طوال الوقت.
وتوضح زينا فيلدمان، من كلية كينجز كوليدج لندن، أن هناك شعوراً متزايداً لدى الأفراد بضرورة أن يكونوا "متاحين دائماً"، وهو ما يخلق ضغطاً نفسياً مستمراً.
وتكشف استطلاعات الرأي عن مدى عمق هذه الظاهرة؛ إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" أن معظم الأميركيين دون سن الثلاثين ينظرون إلى هواتفهم كأول وآخر شيء في يومهم، بينما ينام نحو 40% منهم وهواتفهم بجانبهم في السرير.
مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا في مختلف جوانب الحياة، يبدو أن معركة استعادة التوازن بين الإنسان والشاشة قد بدأت بالفعل. وبين أجهزة مبتكرة مثل "بريك"، وتطبيقات تحفّز على الابتعاد عن الهاتف، ومبادرات اجتماعية تدعو إلى الانفصال المؤقت عن العالم الرقمي، يحاول الشباب رسم علاقة أكثر صحية مع التكنولوجيا.
ورغم أن الهواتف الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة الحديثة، فإن الرسالة التي تتكرر اليوم بوضوح هي أن السيطرة على التكنولوجيا يجب أن تبقى بيد الإنسان، لا العكس.