قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

وائل الغول يكتب: معضلة الهدف التالي.. من ستهاجم إسرائيل بعد إيران؟

وائل الغول
وائل الغول

بينما تتصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، وتتعالى الأصداء الدينية والنبؤات التوراتية في خلفية الصراع، يطرح السؤال الأكثر إثارة في السياسة الإقليمية: 
إذا سقطت إيران كحاجز أمام إسرائيل…إلى أين سيتجه المشروع الإسرائيلي بعد ذلك؟ ومن سيكون الهدف التالي؟

هل مصر، أم تركيا، أم السعودية؟ أم أن الحسابات الحقيقية تتجاوز الدول لتدور حول التفوق العسكري المطلق ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة؟

….

المشروع التوسعي الصهيوني

لفهم أي طموح توسعي محتمل، يجب العودة إلى الجذور الفكرية للحركة الصهيونية.

مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل تحدث في مذكراته عن تصورات جغرافية واسعة تشمل فلسطين ومناطق مجاورة.

كما أن البرنامج الصهيوني الذي أُقر في مؤتمر بازل الأول عام 1897 ركز على هدف محدد هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

أما فكرة “إسرائيل من النيل إلى الفرات” فتظهر اليوم بشكل أكبر في خطاب بعض التيارات القومية والدينية المتشددة داخل إسرائيل، خصوصاً داخل تيار الصهيونية الدينية.

….

اليمين الإسرائيلي و"إسرائيل الكبرى"

مع صعود اليمين القومي والديني في إسرائيل خلال العقدين الأخيرين، عاد الحديث عن حدود أوسع للدولة إلى الواجهة.

وتظهر في بعض النصوص التوراتية، مثل سفر التكوين (15:18–21)، إشارات إلى أرض تمتد "من النيل إلى الفرات".

في سفر التكوين يُذكر وعد الله لإبراهيم بأن أرض ذريته تمتد “من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”.

هذا الوعد يُفسر 
على أنه تحديد حدود رمزية للأرض الموعودة، التي فلسطين الحديثة، أجزاء من مصر ،الأردن، العراق وسوريا، وحتى شمال شبه الجزيرة العربية.

وقد استخدمت هذه النصوص لاحقاً في بعض الأدبيات الفكرية المرتبطة بالحركة الصهيونية.

برزت شخصيات سياسية مثل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير كجزء من هذا التيار.

وقد أثار سموتريتش جدلاً واسعًا في مارس 2023 عندما عرض خريطة لما سماه “أرض إسرائيل” تضمنت فلسطين التاريخية والأردن، خلال كلمة ألقاها في باريس، ما دفع الأردن إلى إدانة الخريطة واستدعاء السفير الإسرائيلي.

كما كرر في تصريحات لاحقة إشارات إلى رؤية يعتبر فيها أن المجال الحيوي لإسرائيل قد يمتد شرقاً حتى دمشق.

وتتحدث بعض الطروحات في اليمين الإسرائيلي عن أن تحقيق هذا المشروع يتطلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر تفكيك الدول العربية إلى كيانات أصغر تعتمد على إسرائيل في بقائها. 
….

"خطة ينون" وتفكيك الشرق الأوسط

من أكثر النصوص التي يُستشهد بها حول الاستراتيجية الإسرائيلية مقال كتبه المحلل الإسرائيلي، عوديد ينون، عام 1982 بعنوان "استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات".

نُشر المقال في مجلة كيفونيم التابعة للدائرة الإعلامية للمنظمة الصهيونية العالمية، وأصبح يُعرف لاحقاً باسم خطة ينون.

اقترح المقال تصوراً استراتيجياً يرى أن استقرار إسرائيل على المدى الطويل قد يتحقق عبر تفكك الدول العربية الكبيرة إلى كيانات أصغر على أسس طائفية أو عرقية.

ومن الأمثلة التي ذكرها المقال:

تفكيك العراق إلى ثلاث مناطق (شيعية وسنية وكردية).

    تقسيم سوريا ولبنان إلى كيانات طائفية.

تفكك دول أخرى في المنطقة بسبب التوترات الداخلية.

وهذا ما يحدث حاليا.. ونشاهده بأم أعيننا على أرض الواقع.
….

إضعاف الجيوش الكبرى

إسرائيل لا توسع حدودها مباشرة… بل تعمل أولاً على إضعاف الجيوش الكبيرة في المنطقة.

وخلال العقود الماضية شهد الشرق الأوسط تراجعاً كبيراً في قوة بعض الجيوش العربية التي كانت تُعد تاريخياً خصوماً رئيسيين لإسرائيل.

العراق

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، قرر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر حل الجيش العراقي بالكامل.

وكان الجيش العراقي قبل ذلك أحد أكبر الجيوش في العالم العربي.

ورغم أن القرار كان أمريكياً، فإن النتيجة كانت اختلالاً كبيراً في ميزان القوة الإقليمي.

سوريا

خلال الحرب السورية الطويلة تعرض الجيش السوري لخسائر كبيرة.

ونفذت إسرائيل مئات الضربات الجوية داخل سوريا خلال السنوات الأخيرة، استهدفت مواقع عسكرية ومنظومات صاروخية بهدف منع إعادة بناء قدرات استراتيجية.

لبنان

في لبنان بقيت الدولة ضعيفة عسكرياً مقارنة بوجود قوة عسكرية غير حكومية هي حزب الله، الذي أصبح الخصم العسكري الأساسي لإسرائيل على الجبهة الشمالية.

هذا النمط يخلق شرق أوسط جديداً تقوم فيه دول ضعيفة أو منقسمة مقابل قوة عسكرية إسرائيلية متفوقة.

إيران…آخر قوة إقليمية كبرى

اليوم تمثل إيران آخر قوة إقليمية تمتلك شبكة نفوذ عسكرية واسعة في الشرق الأوسط.

وبالحديث عن القدرات العسكرية الإيرانية، فإن إيران تمتلك الآتي:

* الجيش النظامي: 350,000–610,000 نشط.

* الحرس الثوري: 125,000–190,000 مقاتل.

* الباسيج: 90,000–450,000 متطوع.

* فيلق القدس: 15,000 مقاتل (عمليات خارجية).

* الترسانة الصاروخية:

أكثر من 3,000 صاروخ باليستي جاهز، مع توقعات بزيادة إلى نحو 5,000 بحلول 2027.

* المخزون النووي:

نحو 5,000 كغ من اليورانيوم المخصب، قد يكفي نظرياً لإنتاج 3–10 رؤوس نووية إذا صُنع منها رؤوس.

* الميليشيات الإقليمية: شبكة تضم أكثر من 200,000 مقاتل في لبنان والعراق واليمن وسوريا.

وفي سفر دانيال وسفر حزقيال بالتوراة، تظهر ممالك شرقية قوية تُعرف تاريخيًا باسم (فارس / بلاد فارس)، وهي المنطقة التي تشمل إيران الحديثة.

في سفر دانيال 8، يُذكر “كباش فارس” كرمز لقوة شرقية عظمى، ويُفسرها بعض العلماء على أنها تشير إلى الإمبراطوريات الفارسية التي لعبت دورًا محوريًا في الصراعات مع شعوب إسرائيل القديمة.

في سفر حزقيال 38–39، يُذكر تحالف يُفسر في بعض التفاسير الحديثة على أنه يشمل القوى الشرقية الكبرى، أي إيران، كطرف محتمل في صراعات آخر الزمان ضد إسرائيل.

النبؤات التوراتية وأدبيات آخر الزمان تتحدث عن صراعات نهائية بين قوى متحالفة من الشمال والشرق ضد إسرائيل، حيث يتم تصوير هذه القوى على أنها مستهدفة بالهزيمة الإلهية أو التفكيك في نهاية الزمان.

ولذلك ترى إسرائيل أن تحييد إيران قد يعني إزالة آخر خصم إقليمي قادر على تحديها إستراتيجياً.

….

من الهدف التالي؟

إذا تراجع النفوذ الإيراني، فقد يظهر سؤال جديد في الحسابات الإستراتيجية الإقليمية:

من هو المنافس التالي في ميزان القوة؟ والحقيقة أن المرشحون المحتملون ثلاثة.

مصر

وفق النص التوراتي، الجزء الغربي من الوعد الإلهي يبدأ عند نهر النيل، ما يجعل مصر جغرافياً جزءاً من النطاق الرمزي للأرض الموعودة المزعومة.

وفي التوراة، مصر تظهر كثيرًا كمركز قوة سياسي وعسكري في الشرق الأدنى القديم، من خلال قصص موسى والخروج وسقوط فرعون.

ويُنظر لمصر على أنها رمز للسلطة السياسية القوية والجيش الكبير، وقدرتها على التحكم في ممرات استراتيجية مثل نهر النيل.

مصر الدولة العربية الأكبر والأكثر استراتيجية، وتمثل تاريخياً أقوى قوة عسكرية في المنطقة.

كما يمنحها موقعها الجغرافي سيطرة على قناة السويس والبحر الأحمر، وهما من أهم الممرات الإستراتيجية في العالم.

وتبقى مصر الدولة الوحيدة التي تمتلك تاريخًا طويلًا من الحروب التقليدية مع إسرائيل، وتمتلك بنية عسكرية كبيرة قادرة على التأثير في ميزان القوة الإقليمي إذا تغيرت الظروف السياسية أو الإستراتيجية في المنطقة.

هذا يفسر سبب الاهتمام الاستراتيجي الإسرائيلي بمصر تاريخياً، سواء في المجال العسكري أو السياسي، رغم اتفاقيات السلام الحالية.

تركيا

المنطقة التي تقع عليها تركيا الحديثة كانت تاريخيًا مملكة الحيثيين والإمبراطورية البيزنطية، وقد وردت في التوراة بشكل غير مباشر في أسفار النبوات على أنها أرض الشمال أو ممالك الشمال.

والشمال الذي يُشار إليه في النصوص التوراتية (أرض الفرات والشمال) يُفسر أحيانًا في الأدبيات الدينية التقليدية على أنه يشمل مناطق الأناضول وبلاد الشام العليا، أي تركيا الحديثة ومحيطها.

وفي بعض تفاسير التوراة وأدبيات آخر الزمان (Apocalyptic Literature)، يظهر الشمال كمصدر تهديد أو قوة محورية في الصراعات النهائية،  التي قد تأتي بالتهديد أو التحالف في صراعات الشرق الأدنى.

وهذا ما يربط تركيا اليوم بالتهديد العسكري القوي في شرق المتوسط، خاصة بالنظر إلى قدراتها العسكرية وطموحها الإقليمي.

وحاليا، تمثل تركيا القوة العسكرية الأكثر قدرة على منافسة إسرائيل في شرق المتوسط.

جيشها من بين الأكبر في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما تمتلك صناعة عسكرية متطورة وطموحاً إقليمياً واضحاً في عدة ساحات.

السعودية

في التوراة، شبه الجزيرة العربية تظهر ضمن المناطق الصحراوية التي سكنت فيها قبائل متعددة، وغالبًا في سياق سفر التكوين وسفر العدد، كأرض فيها موارد وتجليات استراتيجية.

والجزء الجنوبي من الأرض الموعودة يشمل أجزاء من شبه الجزيرة العربية، ما يجعل السعودية الحديثة ضمن الحدود الرمزية لوعود النيل إلى الفرات.

السعودية تمثل اليوم مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في العالم العربي والإسلامي، ومصدرًا رئيسيًا للطاقة.

في التحليل الإستراتيجي، هذا يجعلها لاعبًا محوريًا يجب مراقبته، حتى لو لم تُهدد إسرائيل مباشرة عسكريًا لأنها:

    •    القوة الاقتصادية الأكبر في العالم العربي.

    •    مركزاً مهماً في العالم الإسلامي.

    •    لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة العالمية

….


الهيمنة أم الاحتلال؟!

في التحليل الإستراتيجي، قد لا يكون الهدف الإسرائيلي هو التوسع الجغرافي المباشر.

فالسياسة الإسرائيلية المعلنة تركز على:

    •    الحفاظ على التفوق العسكري النوعي.

    •    منع ظهور قوة إقليمية موحدة معادية.

    •    مواجهة التهديدات الأمنية قبل تحولها إلى خطر إستراتيجي.


قد لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال جغرافي واسع في المنطقة، بل إلى الحفاظ على تفوقها العسكري والاستخباراتي على أي قوة إقليمية محتملة.

وللحفاظ على تفوقها، لا تحتاج فقط لإضعاف خصومها الحاليين، بل لضمان أن أي جيش كبير بالمنطقة لن يصبح قوة منافسة في المستقبل.

بعد إيران، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من ستهاجم إسرائيل بعد ذلك؟

بل ربما يكون السؤال الأهم:
كيف ستحافظ إسرائيل على تفوقها؟ وكيف سيعاد تشكيل ميزان القوة في المنطقة بحيث تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً؟ وعلى حساب من؟!