بهذه الكلمات عبّر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر عن لحظة فارقة، كشفت للولايات المتحدة أن قوتها ليست مكتفية بذاتها، وأن أمنها القومي مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالنفط العربي.
البداية… عندما امتلك العرب مفتاح القوة
تعود جذور المشهد إلى حرب أكتوبر 1973، حين حققت مصر انتصارًا عسكريًا جاء خارج حسابات المنطق العسكري والاقتصادي، رغم الدعم الأمريكي المفتوح وغير المحدود لإسرائيل على المستويات الاستخباراتية واللوجستية.
غير أن ما أحدث الصدمة الحقيقية للولايات المتحدة لم يكن فقط الأداء العسكري، بل الموقف العربي الموحد، حين استخدمت الدول العربية سلاح النفط.
قاد الملك فيصل بن عبد العزيز مبادرة وقف تصدير النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وفي ذات التوقيت أعلن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عبارته الخالدة:
“البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي”
داخل الولايات المتحدة، كان المشهد مختلفًا تمامًا، طوابير سيارات ممتدة أمام محطات الوقود، في صورة كسرت هيبة القوة الأمريكية أمام شعبها، وكشفت حجم الاعتماد الحقيقي على النفط العربي. حتى أن الرئيس نيكسون وصف الأزمة بأنها تهديد مباشر لنمط الحياة الأمريكية.
وفي لقاء جمع كيسنجر بالملك فيصل، حاول الأول التخفيف من حدة الموقف بمزاح قائلاً إن طائرته بلا وقود، لكن الرسالة كانت قد وصلت بوضوح:
العرب يمتلكون سلاحًا قادرًا على إخضاع القوة العظمى.
التحول الأمريكي… من الصدمة إلى التحكم
منذ تلك اللحظة، لم تتعامل الولايات المتحدة مع الأمر باعتباره أزمة عابرة، بل كتهديد وجودي يجب التعامل معه جذريًا.
فبدأت في وضع خطة ممتدة عبر الزمن، هدفها ليس فقط ضمان تدفق النفط، بل التحكم الكامل في مفاتيحه ومساراته وقراراته.
المرحلة الأولى: إشعال الصراع وإدارته (الثمانينات)
مع بداية الثمانينات، حركت الولايات المتحدة المشهد عبر دعم الرئيس العراقي صدام حسين في إلغاء اتفاقية الجزائر 1975 مع إيران، والتي كانت تنظم النزاع على شط العرب.
هذا القرار لم يكن عفويًا، بل كان الشرارة التي أدت إلى اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. وخلال هذه الحرب، لعبت الولايات المتحدة دورًا مركبًا، حيث دعمت العراق بشكل علني على المستويين الاستخباراتي والعسكري، وفي الوقت ذاته دعمت إيران سرًا بالسلاح وقطع الغيار فيما عُرف بفضيحة “إيران كونترا”.
الهدف كان واضحًا:
إدارة الصراع وليس إنهاءه، واستنزاف الطرفين، وضمان استمرار تدفق النفط دون انقطاع.
وقد لخّص كيسنجر هذا المنطق بقوله:
“من المؤسف أنهما لا يستطيعان الخسارة معًا”
المرحلة الثانية: دفع الأحداث نحو التدخل المباشر (1990)
في عام 1990، تحرك صدام حسين لاحتلال الكويت، مستندًا إلى مبررات تتعلق بسرقة النفط عبر الحفر المائل في حقل الرميلة الحدودي المشترك، بالإضافة إلى ادعاءات تاريخية بأن الكويت كانت جزءًا من ولاية البصرة في العهد العثماني، وأن الإنجليز هم من فصلوها عن العراق.
هذا التحرك لم يكن بمعزل عن السياق العام، بل فتح الباب أمام الولايات المتحدة لتتولى قيادة تحالف دولي لتحرير الكويت بقيادة جورج بوش الأب، لتكون هذه اللحظة بداية التواجد العسكري الأمريكي المباشر على أرض الخليج.
المرحلة الثالثة: إسقاط القوة وإعادة التشكيل (2003)
في عام 2003، شنت الولايات المتحدة حربًا على العراق بقيادة جورج بوش الابن، بزعم امتلاك أسلحة دمار شامل، وهو ما ثبت لاحقًا عدم صحته.
انتهت الحرب بإسقاط النظام العراقي، والقبض على صدام حسين، وحل الجيش العراقي، أحد أهم الجيوش العربية، وازداد بعدها التغلغل الأمريكي في المنطقة، خاصة في محيط مناطق النفط، لتفقد المنطقة أحد عناصر توازنها، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيلها وفق رؤية جديدة.
المرحلة الرابعة: إدارة الفوضى وإعادة توزيع النفوذ (2010)
مع نهاية عام 2010، أدارت الولايات المتحدة ما عُرف بالربيع العربي، الذي بدأ بتونس، ثم مصر، فليبيا، واليمن، وسوريا.
وقد أدى ذلك إلى حالة من الفوضى، والصراعات العرقية والطائفية والقبلية، واستنزاف قدرات الدول العربية، وإشغالها بأزماتها الداخلية، ومنح الولايات المتحدة فرصة لتعزيز وجودها العسكري، خاصة في مناطق النفط.
فتم توسيع القواعد العسكرية في مواقع حساسة، للتحكم في حركة النفط، ومراقبة أي تهديد لمنشآته، وفرض النفوذ الاقتصادي، واستنزاف موارد الدول الخليجية تحت مظلة الحماية.
وهنا يتجسد المشهد كما صوره نجيب محفوظ في ثلاثيته، حين يتحول “فتوة الحارة” إلى من يفرض الحماية مقابل الإتاوة:
“أنا بحميكم… وعايز المقابل”
الموقف الخليجي اليوم… معادلة معقدة
في ضوء هذا التاريخ، يمكن فهم الموقف الخليجي الحالي باعتباره نتيجة طبيعية لمسار طويل من التوجيه والتحكم، حيث تجد دول الخليج نفسها بين خيارين أحلاهما مر: الاعتماد على الحماية الخارجية بكل تكلفتها، أو مواجهة مخاطر إقليمية معقدة بمفردها.
وقد أدى ذلك إلى انتشار القواعد العسكرية، والاعتماد على السلاح الخارجي، واستنزاف اقتصادي مستمر.
الدروس المستفادة… طريق الخروج
إذا عدنا إلى نقطة البداية، سنجد أن اللحظة الوحيدة التي تراجعت فيها الولايات المتحدة وارتبكت إسرائيل، كانت لحظة التكاتف العربي في حرب أكتوبر.
ومن هنا، فإن الخروج من المأزق الحالي لا يكون إلا بالعودة إلى هذا المفهوم.
الدول العربية تمتلك مفتاح القوة العالمي، وهو القوة الاقتصادية، لكنها تحتاج إلى توظيفها بشكل واعٍ، بعيدًا عن الضغوط التي تعيق التفكير طويل المدى. ويمكن في هذا السياق الاقتداء بالتجربة الصينية التي اعتمدت على تنمية قوتها الاقتصادية بشكل تدريجي ومدروس، وصولًا إلى بناء قوة عسكرية متطورة، دون الدخول في صدامات مباشرة قبل اكتمال عناصر القوة.
كما أن استمرار نزيف الموارد عبر القواعد العسكرية والتبعية الاقتصادية لا يمكن أن يستمر، ويجب العمل تدريجيًا على تخفيف هذه الأعباء، وصولًا إلى بناء قدرة مستقلة، تبدأ بتوطين الصناعات العسكرية وتطويرها بأحدث التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، تمثل الهيئة العربية للتصنيع نقطة انطلاق يمكن البناء عليها، وتوسيعها لتشمل دولًا عربية أخرى.
أما الأهم، فهو ضرورة المكاشفة، والتخلي عن أوهام الزعامة الفردية التي يتم تغذيتها أحيانًا من الخارج لتفتيت الصف العربي، في حين أن الحقيقة تفرض أن القوة لا تكون إلا بالتكامل.
الخاتمة: من الطوابير إلى الإتاوة
ما بين طوابير الوقود في أمريكا عام 1973، ومشهد “الفتوة” الذي يفرض الإتاوة، تتضح الصورة الكاملة.
لم تعد القضية مجرد نفط…
بل أصبحت قضية من يملك القرار… ومن يدفع الثمن
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل تستعيد الدول العربية لحظة الوعي التي امتلكتها يومًا…
أم يستمر المشهد حتى نهايته؟