قال الدكتور علي جمعة، مفتى الجمهورية الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف: إن بعض الناس يظن أن العبادة موسمية، وأن رمضان إذا انقضى انقضت معه معاني الطاعة، وهذا فهم يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل أبواب القرب منه محصورة في رمضان وحده، بل جعل في الدين كله مواسمَ خفيةً تدعو العبد إلى الدوام، وتربيه على الشوق إليه سبحانه.
وأشار إلى أن بعض العارفين يقولون: إن الله تعالى قد أخفى ثمانيةً في ثمانية: فقد أخفى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ حتى يحمل عباده على الاجتهاد. وأخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى؛ حتى يكثروا من ذكره ودعائه، وأخفى ساعة الإجابة في الثلث الأخير من الليل، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات كلها، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الكبائر في الذنوب، وأخفى أولياءه في عوام الناس؛ حتى لا يزدري أحدٌ أحدًا، وحتى تبقى الرحمة، ويثبت الأدب، ويسقط التكبر من القلوب.
وإذا تأملنا هذه المعاني وجدنا أن ليلة القدر وحدها هي التي تختص برمضان، أما ما عداها من الذكر، والقرآن، والصلاة، والدعاء، والالتجاء إلى الله، فهو باقٍ بعد رمضان، مفتوحٌ لكل عبد أراد الله وصدق في السير إليه.
ولهذا ينبغي لكل مسلم أن يعلم أن الله باقٍ بعد رمضان، وأن فوات الشهر لا يعني فوات القرب من الله؛ فالله لا يفوت ولا يموت، وهو سبحانه يقلب القلوب، ويقبل عباده، ويفتح لهم أبواب رحمته في كل حين.
برنامج للطاعة بعد رمضان
ومن أجل ذلك لا بد أن يكون لنا بعد رمضان برنامج عمل واضح:
أن تكون لنا حصة من القيام، ولو ثلاث ركعات.
وأن تكون لنا حصة من القرآن، ولو ربعًا واحدًا كل يوم، حتى لا نهجر كتاب الله.
وأن تكون لنا حصة ثابتة من الذكر.
فالمسألة بعد رمضان ليست في كثرة العمل وحدها، بل في حسن الترتيب، وصدق الإصرار، والوصول إلى الديمومة التي أحبها رسول الله ﷺ، إذ سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: «أدومها وإن قل»، وقال ﷺ: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون».
فليكن همُّنا بعد رمضان أن نثبت، لا أن ننقطع، وأن نداوم، لا أن نفتر، وأن نحمل من الطاعة ما نطيق، حتى تستمر صلتنا بالله، ويبقى أثر رمضان حيًّا في أرواحنا وأيامنا.


