قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: معركة الوعي وهندسة الهوية

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

ليس من قبيل المصادفة أن تتصدر قضايا الهوية والأمن الثقافي واجهة الاهتمام الفكري في لحظة عربية تعيش أشد أزماتها، فالانكسارات الكبرى لا تولد إلا أسئلة كبرى. والمسألة هنا ليست مجرد إصدار جديد تضعه الهيئة المصرية العامة للكتاب على رفوف المعرفة، بل هي علامة فارقة في مسار الوعي الجمعي حين يصدر كتاب بعنوان «في الأمن الثقافي والهوية الوطنية.. قضايا قيد التفكير» للكاتب محمد نبيل محمد، ليعلن بجلاء أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور على حدود الجغرافيا فقط، بل في أعماق العقل والوجدان.

لقد ظللت طويلًا أردد أن الأمم التي لا تمتلك مشروعًا ثقافيًا دفاعيًا هجوميًا في آن هي أمم قابلة للاختراق، بل للذوبان في بوتقة الآخر. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، رغم رشاقته في الحجم، يظل ثقيلًا بما يحمله من قضايا، شديد الحضور بما يطرحه من أسئلة. إنه بمثابة خريطة مفاهيمية لمن يريد أن يفهم طبيعة الصراع الثقافي الذي يعيد تشكيل العقل العربي اليوم، ليس بآليات الحرب التقليدية، بأدوات أكثر دهاء الكلمة، والصورة، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي.

معارك الوعي

يأخذنا الكاتب في رحلة تأسيسية لمفهوم «معارك الوعي»، ليذكرنا بأن الحروب لم تعد تلك المواجهات الميدانية التي تحدث عنها مفكرو الإستراتيجية الكلاسيكيون، وامتدت إلى فضاءات العقل والوجدان. وهنا لا بد أن أقف عند هذه النقطة بتأمل أعمق: كيف انتقل الصراع من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على المعنى؟ الجواب بسيط ومعقد في آن، لأن التحكم في المعنى هو التحكم في المصير.
إذا عدنا إلى تاريخنا الثقافي، سنجد أن العقل المصري على وجه الخصوص كان دومًا ميدانًا للصراع. من حملة نابليون التي رافقتها بعثة علمية، إلى الاحتلال البريطاني الذي جعل من التعليم أداة لصناعة نخبة موازية، إلى عصور النهضة والتنوير التي حاولت فيها مشروعات فكرية متعددة أن تقدم إجاباتها عن سؤال الهوية. لكن ما يميز المرحلة الراهنة، كما يلفت الكاتب، هو تسارع وتيرة التكنولوجيا وتداخل الأدوات، حيث لم تعد الرسالة الثقافية تمر عبر قنواتها التقليدية من كتاب ومطبوع، بل عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل رغبات الإنسان وتوجهاته قبل أن يشعر.
وهنا أتساءل هل نحن أمام حرب ثقافية بالمعنى الكلاسيكي، أم أمام ما يمكن تسميته بهندسة الوعي؟ الفارق جوهري أن الحرب الثقافية التقليدية تفترض طرفين متحاربين لكل منهما مشروعه الواضح، أما هندسة الوعي فتعمل عبر آليات أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل فيها المصالح وتتشابك، وتصبح أدوات التأثير مموهة بأثواب الترفيه والإعلام والمحتوى الرقمي.

رهانات المستقبل

يتوقف الكاتب عند ملامح الثقافة الوطنية المصرية، واصفًا إياها بأنها نتاج تراكمي يمتد لآلاف السنين، تشكّل من تفاعل المعرفة مع العادات والتقاليد والقيم الأخلاقية والدينية. وهذه النقطة تحديدًا أراها جوهرية في فهم أي مشروع ثقافي وطني، فالهوية المصرية ليست اختراعًا حديثًا ولا شعارًا سياسيًا، بل هي كائن حي نامٍ، تبلور عبر تفاعلات معقدة بين المكون المصري القديم والثقافة اليونانية والرومانية، ثم المسيحية والإسلام، وصولًا إلى الحداثة وما بعدها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف لهذه الهوية التراكمية أن تحافظ على تماسكها في عصر العولمة الثقافية؟ العولمة هنا ليست مجرد تدفق للسلع والخدمات، بل هي إعادة تشكيل للرغبات والأحلام وطرق التفكير. والمجتمع المصري، بامتداده الحضاري وتنوعه الثقافي، يواجه تحديات مزدوجة من الداخل حيث تتصارع مشروعات ثقافية متعددة تريد أن تقدم نفسها بوصفها الأكثر تمثيلًا للهوية، ومن الخارج حيث ثمة محاولات متكررة لطمس الخصوصيات الثقافية في سبيل صياغة إنسان كوني وفق النموذج الغربي السائد.
وهنا يبرز دور المؤلف في لفت الانتباه إلى أن استهداف الهوية المصرية ليس وليد اللحظة، بل هو هدف إستراتيجي لقوى تسعى إلى طمس ملامح الشخصية الوطنية. وأنا أميل إلى تأكيد هذه الرؤية، لكن مع إضافة مهمة، إن أخطر ما يواجه الهوية الوطنية ليس الهجوم المباشر عليها، بل محاولات استبدالها بنماذج هجينة تفتقر إلى العمق الحضاري، لكنها تحتفظ بالقشور والرموز الظاهرية. وهذا ما يجعل معركة الهوية معركة دقيقة ومعقدة، لأنها تدور في منطقة الحدود بين الأصالة والحداثة، وبين الخصوصية والكونية، وبين الثابت والمتغير.

الأمن الكلاسيكي

ربما يكون أبرز ما يضيفه الكتاب إلى المكتبة الثقافية العربية هو طرحه لمفهوم «الأمن الثقافي» بصفته أحد أبعاد الأمن القومي. وهذا الطرح يمثل نقلة نوعية في الوعي الأمني العربي، الذي ظل لفترات طويلة أسير التصورات العسكرية والأمنية الضيقة. فالأمن الثقافي يعني القدرة على حماية الركائز الأساسية للهوية الوطنية، وضمان استمراريتها وتطورها، والتصدي لكل ما يهددها بالتفكك أو التشويه.
وهنا أتذكر مقولة المثقف الفرنسي ريجيس دوبريه: «إن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الحروب الثقافية، وليس الحروب الاقتصادية أو العسكرية». ودوبريه خاض تجارب سياسية ميدانية ثم انصرف إلى التأمل الفكري، واستطاع أن يرى ما غاب عن كثيرين أن السيطرة على المعنى أصبحت هي رأس المال الحقيقي في الصراعات المعاصرة.

من هذا المنطلق، فإن الدعوة التي يطلقها الكاتب إلى تعبئة القوى الثقافية وتعزيز دور المؤسسات الفكرية والإبداعية هي دعوة في غاية الأهمية، لكنها تبقى ناقصة ما لم ترتبط برؤية إستراتيجية واضحة. فالمؤسسات الثقافية في عالمنا العربي تعاني من أزمات بنيوية متعددة: أزمة تمويل، وأزمة نخب، وأزمة جمهور، بل وأزمة دور. فكيف لهذه المؤسسات أن تقوم بدورها في حماية الأمن الثقافي إذا كانت هي نفسها تعيش حالة من التشرذم والضعف؟

ربما يكمن الحل في إعادة تعريف دور المؤسسات الثقافية، بحيث لا تظل حبيسة الجدران التقليدية، تنفتح على فضاءات جديدة، وتستثمر في أدوات العصر، وتعمل على تكوين تحالفات إستراتيجية مع مؤسسات التعليم والإعلام والكنيسة والجامع، ومع القطاع الخاص أيضًا. فحماية الهوية ليست مسئولية وزارة الثقافة وحدها، بل هي مسئولية وطنية جامعة.

سلاح المواجهة

يطرح الكاتب دعوة ربما تكون الأكثر جرأة في الكتاب، وهي إعادة فتح عدد من القضايا الفكرية التي جرى إهمالها أو حسمها ظاهريًا، مؤكدًا على أهمية استعادة دور العقل النقدي في مناقشتها، خاصة في ظل هيمنة سرديات إعلامية عابرة للحدود تسعى إلى فرض رؤى بعينها كأمر واقع. وهذه الدعوة تحمل في طياتها اعترافًا ضمنيًا بأن المشهد الثقافي العربي يعاني من أزمة نقد حقيقية. فالنقد الثقافي في عالمنا العربي، على مدار العقود الأخيرة، إما انسحب من الساحة، أو تحول إلى مجرد تنظير أكاديمي بعيد عن هموم المجتمع، أو صار جزءًا من لعبة السرديات المهيمنة بدلًا من أن يكون أداة لتفكيكها.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يخاف المثقفون العرب من النقد؟ الإجابة معقدة، لكنها تدور حول فقدان الثقة في المشروع الثقافي نفسه، والشعور بالعجز أمام آليات السوق والإعلام، والخوف من التجريح أو التصنيف. لكن الخطورة الحقيقية ليست في النقد بذاته، بل في غيابه، فغياب النقد يعني غياب الوعي، وغياب الوعي يعني سهولة الاختراق والاستلاب.

استراتيجية ثقافية وطنية

الكتاب، في مجمله، يشكل إضافة نوعية للفكر الثقافي العربي، لكنه يظل، كما يشير عنوانه الفرعي، «قضايا قيد التفكير». وهو ما يعني أن الكاتب لم يأتِ ليقدم حلولًا جاهزة، بل ليطرح أسئلة ويحفز على التفكير. وهذه ميزة لا نقص، فالكتب التي تقدم حلولًا جاهزة غالبًا ما تكون كتبًا أيديولوجية، أما الكتب التي تفتح آفاق التفكير فهي التي تترك أثرًا حقيقيًا في الوعي. غير أن قراءة الكتاب تدفعني إلى التأكيد على حاجة ملحة: ضرورة الانتقال من مرحلة «القضايا قيد التفكير» إلى مرحلة «الاستراتيجيات قيد التنفيذ». فالأمة العربية، والمجتمع المصري بوجه خاص، لم يعودا يحتملان مزيدًا من النقاشات النظرية التي لا تترجم إلى أفعال. المعركة الثقافية الآن على أشدها، وأدوات الهدم الثقافي تعمل ليل نهار، وما لم نواجه هذه التحديات ببرامج عملية واضحة، سنظل في موقع المدافع، والمتأخر دائمًا في معاركه.
 

وهنا أتساءل هل نمتلك نحن العرب استراتيجية ثقافية وطنية واضحة المعالم؟ الإجابة، للأسف، لا نمتلك بالمعنى الدقيق. لدينا خطابات ثقافية متعددة، ولدينا مؤسسات تعمل كل في مجالها، لكننا نفتقر إلى رؤية إستراتيجية جامعة تجمع بين حماية الهوية والانفتاح على العالم، وبين الحفاظ على التراث ومواكبة العصر، وبين الأمن الثقافي وحرية الإبداع.

الهوية بين الحماية والتطوير

يختتم الكاتب عمله برسالة واضحة أن حماية الهوية الوطنية تبدأ من إعادة التفكير، وإتاحة المجال للعقل لمراجعة المسلمات. وهذه الرسالة تحمل في طياتها توازنًا دقيقًا بين الثبات والتغير، فالهوية ليست ثابتًا جامدًا، لكنها ليست أيضًا متغيرًا سائلًا يذوب في كل ثقافة. إنها كائن حي ينمو ويتطور لكنه يحتفظ بجذوره وخصائصه الأساسية.

وفي النهاية، لا يسعني إلا أن أشيد بهذا الإصدار الجديد لهيئة الكتاب، الذي يأتي في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى مثل هذه الأصوات الفكرية الواعية. وكل الشكر للكاتب محمد نبيل محمد على ما بذله من جهد في صياغة هذه القضايا المهمة بأسلوب رصين ومتوازن. يبقى أن نقرأ الكتاب، ولكن الأهم أن نفكر فيه، وأن ننطلق منه إلى أفعال، لأن معركة الوعي لا تربح بالقراءة وحدها، بل بما تثمره القراءة من رؤى، وما تنتجه الرؤى من مشروعات، وما تقدمه المشروعات من حماية حقيقية لأمننا الثقافي وهويتنا الوطنية.