قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. آية الهنداوي تكتب: إذا سقطت إيران... زلزال سياسي يهز الشرق الأوسط

د. آية الهنداوي
د. آية الهنداوي

في الشرق الأوسط لا تسقط دولة وحدها ولا تبقى أزمة محصورة داخل حدودها. فهذه المنطقة اعتادت أن تكون شبكة مترابطة من التوازنات الحساسة؛ أي خلل في طرف منها ينعكس سريعًا على بقية الأطراف. ولذلك فإن الحديث عن احتمال سقوط دولة بحجم إيران لا يمكن أن يُفهم باعتباره حدثًا داخليًا فحسب، بل كتحول قد يغير شكل المنطقة بأكملها.
إيران اليوم ليست دولة عادية في معادلات الشرق الأوسط. فهي لاعب أساسي في كثير من ملفات المنطقة، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان. قد تختلف معها دول كثيرة سياسيًا، وقد تتصارع معها قوى إقليمية أخرى، لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أنها أصبحت جزءًا من ميزان القوة الذي يحكم توازنات الإقليم.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نتفق مع إيران أم نختلف معها؟ بل: ماذا يحدث عندما تختفي فجأة قوة إقليمية كبيرة من معادلة الشرق الأوسط؟
التجارب القريبة تعطينا إجابة واضحة إلى حد كبير. عندما سقطت الدولة العراقية بعد عام 2003 لم يتحول العراق إلى ساحة استقرار، بل إلى ساحة صراع مفتوحة لسنوات طويلة. وعندما ضعفت الدولة في سوريا أو ليبيا، لم تختفِ الأزمات بل تضاعفت، ودخلت قوى إقليمية ودولية متعددة إلى المشهد.
السبب بسيط: الشرق الأوسط لا يحتمل الفراغ. عندما تضعف دولة كبيرة أو تسقط، لا يبقى مكانها خاليًا، بل تتسابق قوى مختلفة لملء هذا الفراغ. وفي كثير من الأحيان تتحول المنطقة إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى أكبر.

لهذا فإن سقوط إيران – إن حدث – لن يكون مجرد خبر سياسي، بل زلزالًا إقليميًا بكل معنى الكلمة. فغياب قوة بحجمها قد يفتح الباب أمام سباق جديد على النفوذ في المنطقة، وقد يخلق توترات وصراعات إضافية بدلًا من أن ينهيها.
كما أن القوى الدولية الكبرى لا تنظر إلى الشرق الأوسط بعين العاطفة، بل بعين المصالح  كالنفط، الممرات البحرية، الموقع الاستراتيجي وكلها عوامل تجعل المنطقة واحدة من أكثر مناطق العالم جذبًا للتدخلات الخارجية وكلما اشتدت الخلافات بين دول المنطقة زادت فرص تدخل تلك القوى في شؤونها.

لهذا تبدو الحكمة السياسية اليوم في التفكير بطريقة مختلفة. فبدلًا من الرهان على إضعاف هذا الطرف أو ذاك، ربما يكون الطريق الأكثر عقلانية هو البحث عن توازن إقليمي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار للجميع.
الشرق الأوسط دفع ثمنًا باهظًا خلال العقود الماضية بسبب الحروب والانقسامات. دول انهارت، وأخرى ضعفت وشعوب دفعت كلفة الصراعات التي لم تنتهِ.

لقد ظل الشرق الأوسط عبر تاريخه يتحرك بين لحظات التوتر والانفراج، بين الصراع والتوازن.

وأوضح هذا من خلال نصوص التوراة.  فالعبارة التي وردت في"سفر الجامعة" تعبّر عن هذه الحقيقة التاريخية حين تقول: "עֵת מִלְחָמָה וְעֵת שָׁלוֹם"، أي «وقت للحرب ووقت للسلام». وهي عبارة تختصر طبيعة المنطقة التي لم تعرف استقرارًا دائمًا، بل تعيش دائمًا على إيقاع ميزان قوة دقيق بين القوى المتنافسة.
وقد ورد أيضا في  (سفر الخروج 15: 3)
النص العبري 
יְהוָה  אִישׁ  מִלְחָמָה  יְהוָה שְׁמוֹ

«الرَّبُّ رَجُلُ حَرْبٍ، الرَّبُّ اسْمُهُ».

وتظهر هذه النصوص في التراث الديني القديم للمنطقة الحرب أحيانًا بوصفها جزءًا من الصراع التاريخي بين القوى والشعوب. وقد عبّر أحد نصوص العهد القديم عن هذه النظرة بقوله: "יְהוָה אִישׁ מִלְחָמָה" – «الرب رجل حرب». وهي صياغة تعكس كيف كانت المجتمعات القديمة تفهم الصراع باعتباره جزءًا من حركة التاريخ نفسها، وهو ما يفسر لماذا كان سقوط قوة كبرى يؤدي دائمًا إلى تغيرات عميقة في ميزان القوى.

وفي عالم السياسة كما في التاريخ القديم لا يكفي الاعتماد على القوة وحدها لضمان الاستقرار. فقد عبّر أحد نصوص التوراة في (سفر المزامير) عن هذه الفكرة بقوله: "אִם־יְהוָה לֹא יִשְׁמָר־עִיר שָׁוְא שָׁקַד שׁוֹמֵר" – «إن لم يحفظ الرب المدينة فباطلًا يسهر الحارس». وهي عبارة يمكن أن تُقرأ اليوم بوصفها تذكيرًا بأن استقرار الدول لا يتحقق فقط بالقوة العسكرية، بل بتوازنات سياسية تحمي المنطقة من الانزلاق إلى الفوضى.


ولذلك فإن الدرس الأهم من كل تلك التجارب هو أن الفوضى عندما تبدأ لا يمكن التحكم في حدودها بسهولة.
قد تختلف الدول مع إيران، وقد تتنافس معها، وهذا أمر طبيعي في السياسة الدولية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا دائمًا هو: هل يؤدي سقوط قوة إقليمية كبيرة إلى استقرار المنطقة، أم أنه يفتح الباب لفوضى أكبر؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لكن التاريخ القريب للشرق الأوسط يلمح إلى حقيقة واضحة: عندما يختل ميزان القوة في المنطقة بشكل مفاجئ، فإن الجميع يدفع الثمن.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار في المنطقة: هل الطريق إلى الاستقرار يمر عبر إسقاط القوى الإقليمية، أم عبر بناء توازن يمنع المنطقة من الانزلاق إلى فوضى وحروب  جديدة؟.