يتصاعد الجدل الدولي حول مستقبل عضوية الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، بعد تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية الانسحاب من التحالف الغربي الأكثر قوة منذ الحرب العالمية الثانية.
وهذه التهديدات تأتي في ظل توترات إقليمية متصاعدة، خاصة بعد الحرب مع إيران في فبراير الماضي، وتزامنًا مع تصاعد الانتقادات الأمريكية للحلفاء الأوروبيين، مما يفتح ملفًا حساسًا على صعيد السياسة والدستور الأمريكي، ويعيد طرح أسئلة حول قدرة الرئيس على الانسحاب من المعاهدات الدولية أحاديًا.

تحركات دبلوماسية للحفاظ على الحلف
أعلن الأمين العام للناتو، مارك روته، عزمه زيارة واشنطن الأسبوع المقبل، في خطوة وُصفت بأنها مخطط لها منذ فترة طويلة، لكنها تأتي في توقيت دقيق مع تصريحات ترامب المثيرة للجدل حول الحلف.
وتأتي هذه الزيارة في محاولة للحفاظ على تماسك الحلف، وسط انتقادات أمريكية غير مسبوقة تشكك في جدوى الناتو، ووصفه بأنه «نمر من ورق» بسبب تقاعس بعض الحلفاء عن دعم الجهود العسكرية، خصوصًا في حماية الملاحة في مضيق هرمز.
التهديدات الأمريكية للانسحاب
وصعّد ترامب من لهجته، مؤكّدًا أنه يدرس خيار الانسحاب بجدية، ما يضع التحالف الغربي أمام اختبار غير مسبوق منذ تأسيسه عام 1949. واعتبر أن بعض الحلفاء الأوروبيين «سيئون للغاية» وأن الولايات المتحدة «قد لا تحتاج إليهم»، ما يعكس تصعيدًا سياسيًا يمكن أن يؤثر على استقرار النظام الأمني الدولي.
الغموض القانوني والدستوري
وينص الدستور الأمريكي على أن المعاهدات تُبرم بموافقة ثلثي مجلس الشيوخ، لكنه لا يحدد آلية واضحة للانسحاب، ما يخلق فجوة قانونية واسعة. المادة 13 من معاهدة الناتو تسمح لأي دولة بالانسحاب بعد إشعار مسبق مدته عام، لكن لم يسبق لأي دولة أن انسحبت من الحلف منذ تأسيسه، ما يجعل أي خطوة أمريكية محتملة سابقة تاريخية قد تعيد رسم النظام الأمني العالمي.
في عام 2023، أقر الكونغرس قانونًا يمنع الرئيس من الانسحاب من الناتو دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، ويمنع استخدام الأموال الفيدرالية لتنفيذ أي قرار انسحاب، ما يشكل عائقًا عمليًا أمام أي تحرك أحادي.
نص القانون على ألا يحق لأي رئيس تعليق أو إنهاء أو الانسحاب من المعاهدة إلا بموافقة أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، وهو ما يعكس قلق المؤسسة التشريعية من تأثير خطوة كهذه على الأمن القومي والتحالفات الدولية.
سيناريو المواجهة القانونية
وتشير آراء قانونية سابقة إلى أن الرئيس قد يمتلك صلاحية الانسحاب من المعاهدات، ما يفتح الباب أمام مواجهة دستورية محتملة. في حال اتخاذ قرار رسمي، قد تُحال القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية، التي لم تنظر سابقًا في نزاع مشابه، ما يزيد من تعقيد المشهد القانوني.
وتجدر الإشارة إلى أن الرؤساء الأمريكيين سبق لهم الانسحاب من معاهدات دولية، مثل انسحاب ترامب عام 2020 من معاهدة «السماوات المفتوحة»، دون موافقة الكونغرس.
الأبعاد السياسية والعملية
ويرى خبراء أن التأثير الفعلي لأي تهديد بالانسحاب لا يرتبط فقط بقرار رسمي، بل بمدى التزام الإدارة الأمريكية بالحلف. فحتى دون مغادرة رسمية، يمكن لواشنطن تقليص دورها العسكري والسياسي داخل الناتو، ما قد يضعف الحلف عمليًا ويغيّر توازناته.
وتظل الخيارات متعددة:
- نجاح التحركات الدبلوماسية، مثل زيارة الأمين العام للحلف، قد تعيد تأكيد التزام الولايات المتحدة.
- استخدام ورقة الانسحاب كأداة ضغط دون خطوة فعلية، لإجبار الحلفاء الأوروبيين على تحمل أعباء أكبر.
- محاولة انسحاب رسمي قد تؤدي إلى نزاع قانوني داخلي بين البيت الأبيض والكونغرس، مع تداعيات دستورية وسياسية كبيرة.
بين هذه المسارات، يبقى احتمال بقاء الولايات المتحدة داخل الحلف مع تقليص دورها العسكري والسياسي قائمًا، وهو خيار عملي قد يعيد تشكيل الناتو دون تفكيكه رسميًا، في ظل أزمة دستورية وقانونية غير مسبوقة، وتعقيدات تتعلق بالتاريخ السياسي والتحالفات الدولية.