تحت الطبقات السميكة من الجليد الممتد في القارة القطبية الجنوبية، ترقد ثروات معدنية هائلة من الذهب والفضة والنحاس والحديد والبلاتين، ثروات قد تغير موازين القوة الاقتصادية والجيوسياسية عالميا.
ومع تسارع ذوبان الجليد بفعل تغير المناخ، بدأت ملامح هذه الكنوز المخفية تلوح في الأفق، ما يثير تساؤلات مبكرة حول احتمالات سباق دولي لاستغلالها مستقبلا.
دراسة علمية حديثة حذرت من أن الأراضي التي ستنكشف تدريجيا قد تحتوي على معادن استراتيجية شديدة الأهمية للصناعة العالمية، وهو ما يجعل القارة المتجمدة مرشحة لأن تتحول إلى بؤرة تنافس سياسي واقتصادي، حتى قبل السماح رسميا بأي أنشطة تعدين وفق القوانين الدولية الحالية.
ذوبان الجليد تغير جغرافي يسبق الصراع السياسي
أشارت الدراسة إلى أن ذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار وارتداد سطح الأرض بعد انحسار الصفائح الجليدية الثقيلة، كلها عوامل ستعيد رسم خريطة الموارد المتاحة في القارة القطبية الجنوبية.
وبحسب التقديرات، فإن مساحة من اليابسة الخالية من الجليد تعادل تقريبا مساحة ولاية بنسلفانيا الأميركية قد تنكشف بحلول عام 2300، ما يعني تحولات جذرية في الجغرافيا الطبيعية والجيوسياسية للقارة.
دراسة غير مسبوقة في مجلة Nature Climate Change
الدراسة المنشورة في مجلة Nature Climate Change تعد الأولى من نوعها التي تدمج مفهوم "التكيف الجليدي المتساوي" (Isostatic Rebound)، وهو ارتفاع سطح الأرض بعد زوال الضغط الهائل الناتج عن الغطاء الجليدي، ضمن توقعات ظهور أراض جديدة خالية من الجليد.
هذا الدمج العلمي بين تغيرات مستوى البحر، وسمك الغلاف الصخري للأرض، وتأثير اختفاء وزن الجليد، قدم رؤية أكثر دقة لمستقبل اليابسة في القارة، وكشف عن احتمالات ظهور مساحات جديدة غنية بالمعادن.
معادن استراتيجية تحت الأقدام
داخل المناطق المتوقع انكشافها، توجد رواسب مؤكدة أو مرجحة من النحاس والذهب والفضة والحديد والبلاتين، وهي معادن تمثل عصب الصناعات الحديثة والتكنولوجيا والطاقة.
وتوقعت الدراسة أن أكبر مساحات اليابسة التي ستنكشف تقع في مناطق تطالب بها كل من الأرجنتين وتشيلي والمملكة المتحدة، وهي مناطق معروفة بتنوع رواسبها المعدنية.
ماذا تقول القوانين الدولية؟ دور معاهدة أنتاركتيكا
حاليا تحظر معاهدة أنتاركتيكا أي أنشطة تعدين تجارية في القارة القطبية الجنوبية، وتسمح فقط بالأبحاث العلمية المتعلقة بالموارد المعدنية.
وتنص المعاهدة على إمكانية مراجعة البروتوكول البيئي في عام 2048، وهو الموعد الذي قد يشهد أول تحرك رسمي لإعادة مناقشة بنود استغلال الموارد، خاصة إذا أصبحت عمليات الاستخراج أسهل من الناحية التقنية والاقتصادية.
ضغط علمي قد يتحول إلى ضغط سياسي
ترى الباحثة الرئيسية في الدراسة، عالمة الجيوفيزياء بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، أن الدول قد تُبدي اهتمامًا متزايدًا بالإمكانات المعدنية المحتملة مع اتساع نطاق الأراضي المكشوفة.
فالتغير المناخي لا يغير البيئة فقط، بل يعيد تشكيل خريطة المصالح الدولية، ويضع الإطار القانوني الحاكم للقارة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمستقبل استغلال الموارد.
جبال وبراكين وأودية تضاريس تنتظر الظهور
أسفل الغطاء الجليدي، تخفي القارة تضاريس متنوعة من جبال وأودية وبراكين ومع تراجع الجليد تدريجيا، ستظهر هذه المعالم الطبيعية إلى السطح، حاملة معها مؤشرات جيولوجية على الثروات الكامنة في باطن الأرض.
وكانت التوقعات السابقة تركز فقط على انحسار حواف الجليد، دون احتساب تأثير ارتفاع سطح الأرض أو اختلاف سيناريوهات مستوى البحر، وهو ما جعل الدراسة الجديدة أكثر شمولًا ودقة.
القطب الجنوبي من محمية علمية إلى بؤرة صراع محتملة
يرى الباحثون أن هذه التحولات قد تُحدث ضغطا هائلا على النظام القانوني الذي يحكم القارة، خاصة فيما يتعلق بالموارد المعدنية ومع اقتراب موعد 2048، قد تجد الدول صاحبة المطالبات الإقليمية نفسها أمام فرصة لإعادة التفاوض، مدفوعة بإغراء الثروات التي قد تنكشف.


