برحيل الفنانة التشكيلية الكبيرة زينب السجيني، لا تفقد الساحة الثقافية مجرد فنانة مرموقة، بل تغيب تجربة إنسانية وجمالية استثنائية، استطاعت أن تحول تفاصيل الحياة اليومية في القاهرة إلى لوحات تنبض بالروح، وتخلد ملامح الإنسان البسيط في أبهى تجلياته، كانت السجيني واحدة من هؤلاء الذين لم يرسموا العالم كما هو، بل كما ينبغي أن يرى: أكثر دفئًا، وأكثر إنسانية.
ولدت السجيني في 20 أكتوبر 1930 بالقاهرة، ونشأت في قلب أحيائها التاريخية، بين الظاهر والحسين والجمالية والأزهر، حيث تشكلت ملامح رؤيتها الفنية الأولى، هذه البيئة الشعبية الغنية بالتفاصيل والوجوه والحكايات، انعكست بوضوح في أعمالها، فظهرت المرأة والطفل كعنصرين مركزيين في لوحاتها، يحملان مشاعر البراءة والقوة والألم والأمل في آنٍ واحد.
بدأت رحلتها الأكاديمية بدراسة الفنون الجميلة في جامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس الفنون الجميلة – قسم الفنون الزخرفية عام 1956، ثم دبلوم المعهد العالي للتربية الفنية عام 1957، قبل أن تواصل مسيرتها العلمية حتى نالت درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، هذا التكوين الأكاديمي العميق منحها قدرة استثنائية على المزج بين الممارسة الفنية والتنظير العلمي.
في تجربتها التشكيلية، قدمت السجيني نموذجًا فريدًا للفن التعبيري الذي يمزج بين الواقعية والرمزية، حيث لم تكن لوحاتها مجرد تسجيل بصري للواقع، بل إعادة صياغة وجدانية له.
استخدمت اللون والخط والزخرفة لتشييد عالم بصري يحمل طابعًا مصريًا أصيلًا، مع نزعة حداثية واضحة، وكانت تميل إلى البناء الهندسي والإيقاع الزخرفي، مستلهمة التراث دون أن تقع في فخ التكرار.
امتد نشاطها الفني لعقود طويلة، أقامت خلالها نحو 15 معرضًا فرديًا داخل مصر وخارجها، وشاركت في أكثر من 50 معرضًا جماعيًا منذ أواخر الخمسينيات، وكان حضورها لافتًا في محافل دولية مهمة، من بينها بينالي الإسكندرية الثالث عام 1959، وبينالي القاهرة الدولي الرابع عام 1994، حيث أكدت حضورها كصوت فني مصري له خصوصيته وتميزه.
وعلى صعيد الجوائز، حصدت العديد من التكريمات الرفيعة، من أبرزها الجائزة الأولى في التصوير من صالون القاهرة عن لوحتها «مأساة القدس» عام 1968، والجائزة الأولى في بينالي القاهرة الدولي عام 1994، إلى جانب جائزة الدولة التشجيعية في التصوير، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1980، وهي جوائز تعكس حجم تأثيرها وقيمتها الفنية، أما على المستوى الأكاديمي، فقد لعبت دورًا محوريًا داخل كلية التربية الفنية بجامعة حلوان، حيث شغلت منصب رئيس قسم التصميمات، قبل أن تتفرغ أستاذًا بالقسم.
وأسهمت في إعداد ومناقشة عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، ما جعل تأثيرها يمتد إلى أجيال متعاقبة من الفنانين والباحثين، وتنتشر أعمالها اليوم في مقتنيات رسمية وخاصة داخل مصر وخارجها، بما في ذلك المتحف المصري الحديث بالقاهرة ومتحف الفنون الجميلة بالإسكندرية، إلى جانب مجموعات فنية في الولايات المتحدة والدنمارك والسعودية والكويت، وهو ما يؤكد حضورها العالمي.
لقد كانت زينب السجيني فنانة تنحاز إلى الإنسان، وتؤمن بأن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة روحية ومعرفية، وبرحيلها، يطوى فصل مهم من تاريخ الفن التشكيلي المصري، لكن أعمالها ستظل شاهدة على روح لم تغب، بل تحولت إلى لونٍ دائم في ذاكرة الفن.