حذر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من تصاعد الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، مشددا على انه سياسة ممنهجة لإعادة رسم الجغرافيا وتقليص الوجود الفلسطيني، ويستدعة تدخلا دوليا عاجلا.
وقال فى بيان له: على خلفية تزايد وتيرة الاستيطان والتهجير القسري في الضفة الغربية المحتلة؛ نشر موقع "سيحاه مكوميت" تقريرًا مدعم بشهادات يكشف تسارع وتيرة التهجير الممنهج في الضفة الغربية منذ عام 2023، وتحديدًا بعد 7 أكتوبر، حيث تحولت البؤر الاستيطانية إلى أداة مركزية لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا.
ويستند التقرير إلى شهادات ميدانية وخرائط وتحليلات تُظهر أن ما يجري ليس أحداثًا متفرقة، بل سياسة متكاملة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني وفرض تواصل جغرافي استيطاني واسع. بدأت هذه الموجة بتهجير تجمعات بدوية مثل عين سامية شرق رام الله، التي أُجبرت على الرحيل بعد عقود من الاستقرار، قبل أن تتوسع الظاهرة لتشمل عشرات التجمعات.
وانتقلت بعض العائلات إلى مناطق قريبة مصنفة (ب)، اعتقادًا بأنها أكثر أمانًا، لكن إقامة بؤر استيطانية جديدة سرعان ما أعاد إنتاج التهديد؛ لتبدأ دورة جديدة من التضييق والاعتداءات التي انتهت بالتهجير مرة أخرى.
ونوه أن الشهادات الواردة في التقرير تعكس نمطًا متكررًا: اقتحامات من قبل مستوطنين، تخريب للممتلكات، اعتداءات جسدية، ومن ثم تدخل عسكري يفرض أوامر "منطقة عسكرية مغلقة"، ما يُجبر السكان على المغادرة. وفي حالات عديدة، يُترك السكان دون حماية، بل ويُعتقل متضامنون أو نشطاء، في حين تتواصل الاعتداءات دون محاسبة فعالة.
هذا المناخ خلق حالة من الرعب الدائم، دفعت كثيرين إلى الرحيل تحت ضغط الخوف وانعدام الأمان.
ويُبرز التقرير حادثة تجمع "أبو حمام" كونها نموذجًا صارخًا، حيث تعرضت عائلات لهجوم مسلح تخلله إطلاق نار وإصابات، إضافة إلى اعتداءات على النساء والأطفال وتدمير شامل للمنازل والبنية التحتية.
وتُظهر هذه الوقائع أن العنف لم يعد يقتصر على المضايقات، بل بات يأخذ طابعًا منظّمًا يهدف إلى الإخلاء القسري.
على المستوى الأوسع، يكشف التقرير أن نحو 76 تجمعًا سكانيًّّا تم تهجيرها بالكامل منذ أكتوبر 2023، مع إقامة أكثر من 150 بؤرة استيطانية جديدة، بعضها يعمل نقاط انطلاق لفرض السيطرة على الأراضي الزراعية ومناطق الرعي.
وتشير التقديرات إلى الاستيلاء على عشرات الآلاف من الدونمات في مناطق خاضعة إداريًّا للسلطة الفلسطينية، فيما تصل المساحة الإجمالية التي تسيطر عليها هذه البؤر إلى نحو مليون دونم. ولا يقتصر التأثير على التجمعات البدوية، بل يمتد إلى القرى الكبرى، حيث يجري إحكام الطوق حولها عبر إغلاق المداخل، ومنع الوصول إلى الأراضي، وتكرار الهجمات اليومية.
ويؤدي ذلك إلى ضغط اقتصادي ونفسي شديد، مع تراجع القدرة على الزراعة والرعي، وارتفاع معدلات الخوف وانعدام الاستقرار. ويربط التقرير هذه التطورات بخطط إستراتيجية أوسع تهدف إلى تقسيم الضفة إلى "كانتونات" معزولة، عبر السيطرة على المساحات المفتوحة المحيطة بالمدن والقرى، بما يحولها إلى جيوب سكانية محاصرة.
ويُشار في هذا السياق إلى سياسات رسمية وتشريعات تُوسع صلاحيات التدخل في مناطق (أ) و(ب)، إضافة إلى دعم حكومي مباشر أو غير مباشر لمشاريع استيطانية مثل "المزارع الرعوية"، التي تُستخدم غطاء للسيطرة على الأرض. وتُظهر وثائق صادرة عن مجموعات استيطانية أن الهدف المعلن هو فرض سيطرة جغرافية متصلة، ومنع الفلسطينيين من استخدام الأراضي خارج النطاقات المبنية، بما يؤدي تدريجيًّا إلى إفراغ المناطق الريفية.
ويؤكد مسؤولون فلسطينيون أن هذه السياسة تمثل امتدادًا لمخططات قديمة تهدف إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية عبر تفتيت الأرض.
في المحصلة، يرسم التقرير مشهدًا لواقع يتشكل تدريجيًّا عبر أدوات متعددة: العنف الميداني، القرارات العسكرية، الدعم الحكومي، والتخطيط الاستيطاني طويل الأمد. والنتيجة هي تهجير "صامت" لا يعتمد على قرارات رسمية معلنة بقدر ما يقوم على خلق ظروف معيشية قاهرة تدفع السكان إلى الرحيل.
ويخلص إلى أن ما يحدث ليس مجرد تصعيد مؤقت، بل تحول بنيوي في إدارة الصراع على الأرض، حيث يجري تثبيت وقائع جديدة تجعل العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة، وتضع الوجود الفلسطيني في مساحات واسعة من الضفة الغربية أمام تحدٍّ وجودي متزايد.



