كشفت ورقة بحثية حديثة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت فاعلًا رئيسيًا في إعادة تشكيل الوعي الهوياتي لدى الشباب المصري، عبر توسيع دوائر الانتماء وتعزيز الانفتاح الثقافي، بما أسهم في صعود ما وصفته الدراسة بـ"الهويات العابرة للحدود"، التي تمزج بين المحلي والعربي والعالمي داخل بنية هوية مرنة ومتعددة المستويات.
جاء ذلك في ورقة بحثية قدمها كل من الدكتور حسن سلامة والدكتور نور الدين شعبان، من المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط - مصر، خلال ندوة "انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة تكاملية" التي عقدت اليوم بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء المهتمين بقضايا الإعلام والتحولات الرقمية والهوية في المنطقة العربية.
وأوضحت الورقة البحثية أن التحول في البيئة الإعلامية خلال العقدين الأخيرين لم يقتصر على تغيير أدوات الاتصال، بل امتد إلى إعادة تشكيل البنية الإدراكية للهوية نفسها، في ظل انتقال مركز التأثير من الإعلام التقليدي إلى الفضاء الرقمي الشبكي، حيث تتداخل المنصات الرقمية وصناع المحتوى والجمهور في إنتاج المعنى وتوجيهه.
وأكدت أن مفهوم "الهوية الرقمية" أصبح مدخلًا أساسيًا لفهم التحولات الجارية، باعتبارها مجموعة من الخصائص والسلوكيات والقيم التي يعرضها الأفراد داخل البيئات الرقمية، مشيرة إلى أن الشباب باتوا يعيدون تعريف أنفسهم داخل فضاءات افتراضية متعددة، تتقاطع فيها الانتماءات المحلية مع التأثيرات الإقليمية والعالمية.
ولفتت الورقة البحثية إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه، بل تحولت إلى بيئات ثقافية ومعرفية فاعلة في تشكيل القيم والاتجاهات، عبر التفاعل المستمر مع محتوى متنوع وسريع التدفق، يتجاوز الحدود الجغرافية ويعيد صياغة تصورات الانتماء.
وأشارت النتائج الميدانية، التي شملت عينة من 363 شابًا مصريًا من جيل زد في مختلف محافظات الجمهورية، إلى أن 81.3% من العينة من سكان الحضر، و63.4% حاصلون على مؤهل جامعي، فيما بلغت نسبة العاملين 68.6%، وهو ما يعكس شريحة شبابية نشطة ومتصلة بالفضاء الرقمي بشكل يومي.
وبيّنت النتائج أن 59% من الشباب يفضلون المحتوى الترفيهي على المنصات الرقمية، مقابل 45.5% يتابعون المحتوى الإخباري والسياسي، و33.6% يهتمون بالمحتوى التعليمي، و32% بالمحتوى الثقافي والفكري، ما يعكس نمط استهلاك رقمي يجمع بين الترفيه والمعرفة والانخراط في الشأن العام.
كما أوضحت الورقة البحثية أن 73% من المشاركين أكدوا أن وسائل التواصل الاجتماعي تقربهم من ثقافات ومجتمعات خارج مصر، ما يعكس مستوى مرتفعًا من الانفتاح الثقافي، في حين أشار 55.1% إلى أن هذه المنصات تسهم بقوة في تعزيز تبني أنماط ثقافية عالمية.
وفي المقابل، أكدت النتائج أن 65.6% من الشباب ما زالت الهوية المصرية تمثل الإطار المرجعي الأساسي لهم، مقابل 17.4% للهوية العربية، و11% للهوية الدينية، ما يعكس تدرجًا واضحًا في مستويات الانتماء وليس تعارضًا بينها، بل تكاملًا وظيفيًا داخل البنية الهوياتية.
وأوضحت أن 68% من المشاركين يدركون التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي على منظومتهم القيمية والسلوكية، فيما يرى 20.7% أن التأثير متوسط، وهو ما يعكس وعيًا متزايدًا لدى الشباب بطبيعة الفضاء الرقمي ودوره في تشكيل الاتجاهات.
كما أظهرت النتائج أن 73% من العينة يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح تكوين شبكات وعلاقات تتجاوز الحدود الوطنية، ما يعزز مفهوم "الانتماء الشبكي" ويكرس صعود هويات رقمية عابرة للحدود، تتشكل عبر التفاعل اليومي داخل المنصات.
ولفتت الورقة البحثية إلى وجود انقسام في تقييم تأثير المحتوى العالمي على القيم المحلية، حيث رأى 45.7% أنه تأثير سلبي، بينما اعتبره 43.5% تأثيرًا إيجابيًا، في حين وصفه 10.7% بأنه محايد، ما يعكس حالة من التوازن والجدل داخل وعي الجيل الرقمي.
وأكدت الورقة البحثية أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تنتج هوية واحدة، بل تساهم في إنتاج "هويات مركبة" تجمع بين المحلي والعالمي، وتسمح للشباب بإعادة تعريف ذواتهم باستمرار داخل فضاء رقمي ديناميكي.
وشددت على أن الهوية لدى الشباب المصري لم تعد ثابتة أو أحادية، بل أصبحت بنية متعددة المستويات، تتداخل فيها الهوية الوطنية مع الهوية العربية والهويات العابرة للحدود، في إطار تفاعلي مستمر تعيد تشكيله المنصات الرقمية.
وقدمت الورقة البحثية عددًا من التوصيات، من بينها تعزيز إنتاج محتوى عربي عالي الجودة، وتطوير منصات رقمية عربية منافسة، ودعم مهارات التفكير النقدي لدى الشباب، إلى جانب إنشاء أطر تنظيمية عربية مشتركة لضبط المحتوى الرقمي، وتعزيز ما وصفته بـ"المناعة الرقمية" في مواجهة الخطابات الاستقطابية.