في أعقاب حادث حريق مصنع الزاوية الحمراء الذي وقع أمس وأسفر عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين، تعود قضية السلامة الصناعية والتأمين إلى صدارة المشهد من جديد، خاصة مع تكرار مثل هذه الحوادث التي تكشف في كل مرة حجم المخاطر الكامنة داخل العديد من المنشآت غير المؤمنة أو التي تفتقر إلى إجراءات الأمان الكافية.
وفي هذا الصدد، قالت ندي أحمد، قريبة عواطف أحد الضحايا: "لم أكن أتخيل أن نفقدها بهذه الطريقة القاسية.. كانت يتيمة، لكنها صاحبة قلب طيب لا يحمل إلا الخير للجميع، وحتى الآن لا أستوعب ما حدث، خاصة بعدما علمنا أن المصنع كان مغلقا عليهم بنوافذ مقيدة، وهو ما صعب إنقاذها هي وباقي الفتيات، ولا أقول إلا: حسبي الله ونعم الوكيل".
وأضافت أحمد- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "كانت تعتمد على نفسها في كل شيء، تعمل وتجتهد لتجهز لزفافها الذي كان مقررا نهاية هذا العام، وكانت تحلم ببيت وحياة جديدة، لكنها رحلت قبل أن تحقق حلمها، وكأنها خرجت من الدنيا عروسا إلى الجنة.".
وتشير التحريات الأولية إلى أن الحريق نتج عن ماس كهربائي، وهو سبب شائع يعكس مدى الحاجة إلى تعزيز معايير الوقاية والحماية داخل بيئات العمل.
وفي ظل تزايد الحوادث الصناعية والتجارية خلال السنوات الأخيرة، يبرز التساؤل حول مدى انتشار التأمين ضد الحريق ودوره في الحد من الخسائر ودعم التعافي بعد الكوارث. فقد أصبحت الحرائق من أخطر التهديدات التي تواجه المنشآت في مصر، سواء كانت مصانع أو شركات أو حتى ممتلكات خاصة، ومع كل حادث جديد تتكشف خسائر بشرية ومادية جسيمة كان من الممكن الحد من آثارها عبر تغطية تأمينية مناسبة. ورغم ذلك، لا تزال شريحة كبيرة من المنشآت، خاصة الصغيرة والمتوسطة، خارج مظلة التأمين، ما يطرح تساؤلات حول كونه ضرورة اقتصادية أم عبئًا يتجنبه المستثمرون.
ويتنوع التأمين ضد مخاطر الحريق في مصر وفقًا للوثائق التي تصدرها شركات التأمين، حيث تشمل ثلاثة أنواع رئيسية: أولها وثيقة الحريق العامة التي تغطي مختلف الممتلكات مثل المصانع والمنازل والمحال التجارية والمكاتب، وتتكفل بتعويض التلفيات الناتجة عن الحريق. وثانيها وثيقة الحريق والأخطار الإضافية، التي تمتد لتشمل مخاطر مثل الانفجارات والماس الكهربائي. أما النوع الثالث فهو وثيقة حماية الأسرة التي تتضمن ضمن تغطيتها خطر الحريق.
وتوفر وثيقة التأمين ضد الحريق حماية شاملة للممتلكات، إذ تعوض عن الأضرار المادية الناتجة عن الحريق وما يصاحبه من آثار مثل الدخان والحرارة، وكذلك الأضرار الناتجة عن الانفجارات، بما في ذلك الاشتعال الذاتي وانفجار الغاز، إضافة إلى الخسائر المرتبطة بمياه الإطفاء أو تدخل رجال الحماية المدنية أو حتى الصواعق.
ويؤكد خبراء التأمين أهمية اتخاذ عدد من الإجراءات لتقليل حجم الخسائر في هذا القطاع، من أبرزها إجراء معاينات دقيقة قبل إصدار الوثائق، والتأكد من توافر وسائل الوقاية والحماية لدى العملاء، إلى جانب تطبيق نسب تحمل على الحالات ذات المخاطر المرتفعة. كما يبرز الدور الحيوي لإدارات المخاطر داخل شركات التأمين في تقييم طبيعة الأنشطة الصناعية وتحديد مدى قابليتها للتغطية، في ظل تشدد معيدي التأمين في قبول بعض المخاطر.
وتشمل أنواع التأمين ضد الحرائق عدة صور، من بينها التأمين ضد الحريق والأخطار الإضافية الذي يغطي الحريق والانفجارات والماس الكهربائي، ويُعد من الأساسيات لأي منشأة. كما يوجد تأمين خسارة الأرباح، الذي يركز على تعويض الخسائر الناتجة عن توقف النشاط مثل فقدان الإيرادات واستمرار الالتزامات المالية. بالإضافة إلى تأمين المباني والمحتويات، الذي يغطي الأصول داخل المنشأة مثل المعدات والأثاث والمستندات، بما يضمن حماية متكاملة.
وتتجلى أهمية التأمين على المباني والمنشآت في قدرته على تعويض تكاليف الإصلاح أو إعادة البناء، وتغطية الأضرار التي تلحق بالمحتويات، فضلًا عن توفير بدائل مؤقتة في حال تعطل النشاط، وحماية المنشأة من الخسائر الناتجة عن توقف الدخل، بما يدعم استقرارها واستمراريتها.
ويظل حادث حريق مصنع الزاوية الحمراء مثالا واضحا على تداعيات غياب التأمين وثقافة إدارة المخاطر، فبينما تسارع الجهات المعنية لتقديم الدعم والتعويضات، يبقى الحل الأكثر فاعلية هو الوقاية المسبقة، سواء من خلال تعميم التأمين الإجباري أو تعزيز الوعي بأهميته، خاصة في المصانع الصغيرة والمتوسطة.
ففي النهاية، قد لا يكون بالإمكان منع جميع الحرائق، لكن من الممكن تقليل خسائرها بشكل كبير.



