شهد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة عشرة أيام، والذي جاء بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تفاعلاً دولياً واسعاً عكس أهمية الحدث في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وتباينت ردود الأفعال بين الترحيب الحذر والدعوات الصارمة لضرورة الالتزام ببنود الاتفاق، مع إجماع عام على اعتباره فرصة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة نحو الاستقرار.
مصر .. موقف ثابت
في هذا السياق، رحّبت جمهورية مصر العربية بالاتفاق، معتبرةً إياه خطوة مهمة نحو خفض حدة التوتر ووقف العمليات العسكرية.
وأكدت القاهرة موقفها الثابت الداعم لوحدة الدولة اللبنانية وسيادتها، مشددةً على ضرورة التزام إسرائيل بوقف جميع الاعتداءات، والانخراط في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 بشكل كامل ودون انتقائية.
كما دعت مصر المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته لضمان استدامة التهدئة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، بما يخفف من معاناة المدنيين ويمهد لعودة النازحين إلى مناطقهم.
فرصة حقيقية
أوروبياً، عبّر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن ترحيبه بالاتفاق، مؤكداً أهمية التنفيذ الدقيق لكافة بنوده.
وأشار إلى أن هذه الهدنة تمثل فرصة حقيقية لتثبيت الاستقرار ومنع تجدد المواجهات، خاصة في ظل المخاوف من انهيارها سريعاً.
كما شدد على ضرورة التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين في المناطق المتأثرة بالنزاع، محذراً من أن أي خروقات قد تقوّض الجهود الدبلوماسية المبذولة.
وعلى الصعيد الإقليمي، أعربت المملكة العربية السعودية عن دعمها الواضح للاتفاق، معتبرةً أنه يسهم في كبح جماح التصعيد وإعادة الاستقرار إلى لبنان.
وأشادت بالدور الذي لعبته القيادات اللبنانية في إنجاح مسار التهدئة، مؤكدةً أن الحلول السياسية تظل السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات.
ويعكس هذا الموقف انسجاماً مع توجهات إقليمية أوسع تسعى إلى تجنب الانزلاق نحو صراعات مفتوحة.
من جهتها، أكدت باكستان، على لسان قائد جيشها الجنرال عاصم منير، أهمية الاتفاق كخطوة نحو تهدئة الأوضاع في المنطقة، مشيرةً إلى أن استقرار الحدود اللبنانية ينعكس إيجاباً على الأمن الإقليمي والدولي.
وأوضح أن بلاده تتابع التطورات عن كثب، في إطار اهتمامها بالقضايا الأمنية ذات التأثير العالمي.
وفي الداخل اللبناني، اتخذت المؤسسات الرسمية موقفاً حذراً، حيث دعا الجيش اللبناني المدنيين إلى التريث في العودة إلى المناطق الجنوبية، رغم إعلان وقف إطلاق النار، وذلك تحسباً لأي خروقات محتملة قد تهدد سلامتهم. ويعكس هذا التوجه إدراكاً لحساسية المرحلة الانتقالية وضرورة التعامل معها بحذر.
بشكل عام، تتقاطع المواقف الدولية عند نقطة أساسية تتمثل في دعم التهدئة، مع التأكيد على أن نجاح الاتفاق مرهون بمدى التزام الأطراف المعنية بتنفيذه.
كما تتزايد الدعوات إلى استثمار هذه الفرصة لإطلاق مسار سياسي أوسع يعالج جذور الأزمة، بدلاً من الاكتفاء بحلول مؤقتة.
رد فعل نتنياهو
أما في الداخل الإسرائيلي، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأن اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان قد يشكّل مدخلاً لما وصفه بـ"سلام تاريخي"، مشدداً في الوقت ذاته على أن نزع سلاح "حزب الله" يُعد شرطاً أساسياً لأي تسوية محتملة.
وفي مداخلة متلفزة، أشار نتنياهو إلى أن الفرصة الحالية غير مسبوقة، معتبراً أن التطورات العسكرية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 أسهمت، بحسب وصفه، في إحداث تحول جذري في موازين القوى داخل لبنان. وأضاف أن هذا التحول أفضى مؤخراً إلى تلقي إسرائيل دعوات لإجراء محادثات سلام مباشرة، وهو أمر لم يحدث منذ أكثر من أربعة عقود.
وأوضح أن موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام تأتي في إطار اختبار إمكانية التقدم نحو تسوية أوسع، مع تأكيده على نية بلاده الإبقاء على "منطقة أمنية" بعمق عشرة كيلومترات على طول الحدود الجنوبية للبنان.
وبيّن نتنياهو أن حكومته وضعت شرطين رئيسيين للمضي قدماً في أي اتفاق، يتمثلان في نزع سلاح "حزب الله" والتوصل إلى اتفاق سلام دائم يستند إلى ما وصفه بـ"ميزان قوة واضح". وفي المقابل، أكد رفضه للمطالب التي يطرحها "حزب الله"، وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، أو القبول بترتيب لوقف إطلاق النار يقوم على مبدأ "الهدوء مقابل الهدوء".
مستقبل الهدنة
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان، يبقى مستقبل الهدنة مرهوناً بتطورات الميدان وقدرة المجتمع الدولي على فرض ضمانات حقيقية تحول دون انهيارها.
وفي ظل التعقيدات الإقليمية، تبدو هذه الخطوة اختباراً جديداً لإمكانية تحقيق استقرار مستدام في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.



