قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

شحاتة السيد يكتب: ماذا بعد مصنع الرمان في البداري؟

شحاتة السيد
شحاتة السيد

لا أحد يختلف على أن إنشاء مصنع للرمان في البداري خطوة مطلوبة، وربما تأخرت كثيراً، لكن الإشكال الحقيقي لا يبدأ من لحظة الإعلان، ولا يتوقف عند التشغيل، بل يتشكل في المساحة التي تلي ذلك مباشرة، حيث تختفي العناوين الكبيرة، وتظهر التفاصيل التي تحدد ما إذا كان المشروع سيستمر أو يتآكل بهدوء.

البداري ليست مجرد نقطة على خريطة الزراعة في أسيوط، بل واحدة من أكثر المراكز ارتباطاً بمحصول بعينه، حتى بات الرمان فيها اقتصاداً كاملاً قائماً بذاته. آلاف الأفدنة المزروعة، وأسر كاملة تعتمد على موسم واحد، وحركة مالية تتكرر كل عام، لكنها لا تستقر.
هذه المفارقة ظلت قائمة لسنوات: إنتاج وفير، يقابله عائد غير مستقر، بل أحياناً غير عادل، في ظل منظومة يغيب عنها التنظيم الحقيقي.

وهنا لابد أن نتذكر أن المزارع في البداري لم يكن يوماً عاجزاً عن الإنتاج، بل كان دائماً قادراً على تحقيق وفرة لافتة، لكن المشكلة كانت في ما بعد ذلك. 
المحصول يخرج من الأرض في ذروة الموسم بكميات كبيرة، تتزاحم في السوق، فتتراجع الأسعار بشكل حاد، بينما يفتقد المنتجون أدوات التخزين أو التصنيع التي تسمح لهم بالتحكم في توقيت البيع. النتيجة معروفة: جزء من المحصول يُباع بأقل من قيمته، وجزء آخر يتعرض للفقد، في مشهد يتكرر كل عام دون أن تتغير أسبابه.

يبدو المصنع خطوة منطقية، لكنه لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن هذه الخلفية، لأن المشكلة لم تكن في غياب مبنى أو خط إنتاج، بل في غياب رؤية تدير هذه الدورة من البداية إلى النهاية. 


وجود مصنع قد يخفف من حدة الفاقد، وقد يفتح مجالاً لتصنيع جزء من الإنتاج، لكنه لن يغير المعادلة بالكامل إذا ظل يعمل داخل نفس الإطار القديم، دون تدخل يعالج الاختلالات الأساسية في السوق وفي الإنتاج.

الأمر لا يتوقف عند التسويق، بل يمتد إلى الأرض نفسها، وهي نقطة يغفلها كثير من الحديث العام.
هناك شكاوى متكررة من المزارعين حول تراجع خصوبة بعض الأراضي، وظهور أمراض تؤثر على الأشجار وعلى جودة الثمار، وهي عوامل لا تظهر في الأرقام المجردة، لكنها تنعكس مباشرة في المحصول النهائي. 


تجاهل هذه الإشارات لا يلغيها، بل يتركها تتفاقم ببطء، وهو ما قد ينعكس على أي مشروع يعتمد في الأساس على استقرار الإنتاج وجودته.

هنا يصبح من الطبيعي أن يُطرح دور الجهات المعنية، ليس من باب النقد المجرد، بل من باب المسؤولية، أول هذه الجهات هي المحافظة، بوصفها الجهة الأقرب إلى الواقع، مطالبة بأن تتجاوز دور المتابعة إلى دور الإدارة الفعلية لهذا الملف، بما يشمله من تنظيم للسوق، ودعم للمزارعين، وربط حقيقي بين الإنتاج والتصنيع. 


أما هيئة تنمية الصعيد، التي أنشئت لتكون رافعة لمثل هذه المشروعات، فإن حضورها لا يزال أقل من التوقعات، حيث لا يظهر أثر واضح يمكن قياسه في هذا الملف تحديداً، رغم أنه من صميم اختصاصها.

التجارب السابقة تجعل من الضروري التعامل مع هذا المشروع بقدر من الحذر. 
ليست المشكلة في الفكرة، فالتصنيع الزراعي ضرورة لا خلاف عليها، لكن المشكلة في كيفية التنفيذ والاستمرار، وهناك نماذج لمشروعات بدأت بحماس، ثم تراجعت تدريجياً، لأن ما بعدها لم يكن مدروساً بما يكفي، ولأن البيئة التي عملت فيها لم تكن مهيأة لاستقبالها.

وليس بعيداً عن ذلك، تجربة مصنع سايك للهواتف، التي طُرحت في وقتها باعتبارها خطوة واعدة في توطين صناعة الهواتف المحمولة، ورافقتها تصريحات كبيرة وتوقعات أعلى، لكنها لم تصمد طويلاً بعد تعثر أولى منتجاتها في 2018، واختفت تدريجياً من المشهد دون أن تحقق الأثر الذي رُوِّج لها. 


الفارق لم يكن في الفكرة، بل في غياب الاستمرارية، وفي عدم اكتمال المنظومة التي كان يجب أن تدعم المشروع.


هذا المثال لا يُستدعى للمقارنة المباشرة، بل للتذكير بأن المشروعات لا تُقاس بحجم الإعلان عنها، بل بقدرتها على البقاء. ومصنع الرمان في البداري يقف اليوم أمام نفس الاختبار، ليس في تشغيله، بل في ما سيحدث بعد ذلك.

السؤال هنا لا يتعلق بقدرة المصنع على الإنتاج، بل بقدرته على الاندماج في منظومة أوسع، تشمل المزارع والسوق والخدمات المرتبطة بهما، لأن أي انفصال بين هذه العناصر يعني أن التأثير سيظل محدوداً، مهما بدا المشروع في بدايته واعداً.

هناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بطريقة إدارة العلاقة بين المصنع والمزارعين، هذه العلاقة إذا لم تُبن على أساس واضح وعادل، قد تتحول إلى مصدر توتر بدلاً من أن تكون عامل استقرار.


التسعير، وآليات التوريد، وضمان استيعاب الإنتاج، كلها عناصر تحتاج إلى وضوح، حتى يشعر المزارع أن هذا المشروع يعمل لصالحه، لا على حسابه.

الحديث عن التصنيع لا يكتمل دون النظر إلى ما بعده، أي إلى السوق. لأن الإنتاج وحده لا يصنع نجاحاً، بل القدرة على تسويق هذا الإنتاج بشكل مستقر سيفتح أسواق جديدة، ويحسين جودة المنتج، ويطوير آليات التصدير، كلها خطوات لا تقل أهمية عن إنشاء المصنع نفسه. بدونها، سيظل الإنتاج محصوراً في نطاق محدود، ولن تتحقق القيمة المضافة التي يُفترض أن يحققها المشروع.

البداري تمتلك فرصة حقيقية، ليس فقط لتحسين عائد محصول، بل لبناء نموذج يمكن أن يُحتذى به في مناطق أخرى. هذه الفرصة لا تعتمد على حجم المشروع بقدر ما تعتمد على طريقة إدارته.