قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بنتي مش عبء | صرخة أم تهز التعليم في طنطا .. رفض دمج طفلة داون رغم القانون ومدير يبرر: العيال هتخاف منها

لوسيندا
لوسيندا

في لحظة صادقة تختلط فيها مشاعر الألم بالأمل، خرجت أم لتطلق استغاثة إلى وزير التربية والتعليم، حاملة بين كلماتها حكاية ليست فردية، بل تعكس أزمة يعيشها كثير من أولياء أمور الأطفال من ذوي الهمم. بدأت رسالتها بسؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: "هل طنطا خارج خريطة الدمج؟"، قبل أن تؤكد بمرارة: "بنتي مش عبء.. بنتي حقها تتعلم زيها زي أي طفل في مصر."

هذه الصرخة لم تكن مجرد كلمات على مواقع التواصل، بل رواية مليئة بالتفاصيل.
 

تحكي الأم عن طفلتها "لوسيندا"، ذات الخمس سنوات، المصابة بمتلازمة داون، مؤكدة أنها لم تدخر جهدًا منذ ولادتها لتأهيلها. تقول إنها عملت على تنمية مهاراتها، خاصة المرتبطة بالنطق ومنطقة الفم، حتى تتمكن من التعبير بسهولة والتفاعل مع الآخرين.

لم يكن الهدف مجرد علاج، بل إعداد حقيقي ليوم الالتحاق بالمدرسة. يومٌ حلمت به الأم طويلًا، وهي ترى ابنتها تحمل حقيبتها وترتدي زيها المدرسي، مثلها مثل باقي الأطفال.

وتضيف الأم أن الدولة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تولي اهتمامًا كبيرًا بذوي الهمم في المناسبات الرسمية، وهو ما منحها أملًا كبيرًا بأن الواقع سيكون داعمًا لابنتها.

رحلة البحث عن مدرسة.. أبواب مغلقة

بدأت رحلة الأم في البحث عن مدرسة مناسبة، واضعة في اعتبارها اختيار مدرسة خاصة بنظام عربي، لتخفيف الضغط عن طفلتها، خاصة في ظل صعوبة متابعة المناهج الأجنبية أو توفير مدرسين في منزلها بسبب بُعد محل سكنها.

لكن الصدمة كانت في الرفض المتكرر.

تقول الأم إنها تواصلت مع عدة مدارس، وكان الرد صادمًا في كثير من الأحيان. إحدى المدارس رفضت حتى مناقشة الأمر، قائلة بوضوح: "إحنا ما بنتعاملش مع داون سندروم."، دون حتى محاولة تقييم حالة الطفلة.

وفي مدرسة أخرى، سُمح للطفلة بخوض اختبار بسيط، لكن النتيجة كانت حكمًا سريعًا بأنها "مختلفة"، وكأن هذا الاختلاف مبرر كافٍ للرفض.

صدمة إنسانية.. "الأطفال هتخاف منها"

بلغت الصدمة ذروتها عندما واجهت الأم أحد مديري المدارس، الذي برر رفضه بعبارة قاسية: "الأطفال ممكن تخاف منها."

تلك الجملة، كما تروي الأم، لم تكن مجرد رفض، بل طعنة. كيف لطفلة صغيرة، تصفها والدتها بأنها جميلة وودودة، أن تكون مصدر خوف؟

لم تتمالك الأم نفسها، وطلبت من المدير أن ينظر إلى ابنتها جيدًا، لعلّه يرى ما تراه هي: طفلة طبيعية تستحق الاحتواء، لا الإقصاء.

بصيص أمل سرعان ما انطفأ

وسط هذا الإحباط، ظهرت مدرسة أبدت ترحيبًا مبدئيًا بالطفلة، وطلبت من الأم الانتظار حتى موعد التقديم الرسمي. وبالفعل، عادت الأم في الموعد المحدد، واستُقبلت بحفاوة من الإدارة.

لكن، وكما تقول الام، كانت المشكلة هذه المرة في المعلمات، اللاتي أبدين تخوفًا من التعامل مع الطفلة، رغم أن التجربة العملية أثبتت العكس.

خلال وجودها في المدرسة، اندمجت الطفلة بشكل طبيعي، جلست مع زملائها، وطلبت طعامها بشكل عفوي، وتفاعلت دون أي مشاكل تُذكر.

واكدت الام ان موقفًا بسيطًا خروجها خلف أحد زملائها من الفصل تحول إلى أزمة، واعتُبر تهديدًا “لأمن 40 طالبًا”.

مخاوف غير مبررة

توضح الأم أن إدارة المدرسة كانت تضع احتمالات مسبقة لسلوكيات غير موجودة في طفلتها، مثل فرط الحركة أو السلوك العدواني، رغم تأكيدها أن ابنتها لا تعاني من هذه المشكلات.

كما أبدت استعدادها الكامل للتعاون مع المدرسة، بل وحتى التواجد إذا لزم الأمر، لكنها كانت تواجه دائمًا بجدار من التخوفات والافتراضات.

المدرسة الحكومية... خيار مستبعد

ورغم أن البعض قد يتساءل عن سبب عدم التوجه إلى المدارس الحكومية، إلا أن الأم كانت واضحة في موقفها، معتبرة أن البيئة هناك لن تكون مناسبة لطفلتها.

ترى أن الدمج الحقيقي لا يعني مجرد تسجيل اسم الطفلة في مدرسة، بل توفير بيئة آمنة وداعمة تساعدها على التعلم والتطور، وهو ما لم تجده في المدارس الحكومية من وجهة نظرها.

وعود تتبخر

في محاولة أخيرة، لجأت الأم إلى الإدارة التعليمية، التي قامت بتحويلها إلى مدرسة أخرى. وهناك، بدا أن الأمور تسير بشكل إيجابي، حيث تم الاتفاق على قبول الطفلة، وتحديد الأوراق المطلوبة.

لكن المفاجأة كانت في تراجع المدرسة عن قرارها بعد أيام قليلة، بحجة أن "اجتماعًا" عُقد وانتهى إلى صعوبة قبول الطفلة.

هذا التراجع المفاجئ أثار غضب الأم، التي تساءلت.. بأي قانون يتم رفض ابنتها؟ وأين تطبيق قرارات الدمج التي تم إقرارها منذ سنوات؟

تشير الأم إلى أن نظام الدمج مطبق منذ عام 2009، ومن المفترض أن يكون حقًا مكفولًا لكل طفل، لكن ما يحدث على أرض الواقع، بحسب تجربتها، يكشف عن فجوة كبيرة بين النصوص والتطبيق.

وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في القوانين، بل في غياب الرقابة، وضعف التأهيل داخل المدارس، خاصة الخاصة منها، التي تضع اعتبارات مادية أو تسويقية فوق الاعتبارات الإنسانية.

 

الأم لم تطلب امتيازًا خاصًا، بل حقًا بسيطًا.. أن تحصل ابنتها على فرصة عادلة في التعليم، وأن تُعامل كطفلة، لا كعبء.

 

في نهاية روايتها، تتركنا الأم أمام تساؤل مؤلم.. هل ما تطلبه صعب إلى هذا الحد؟

طفلة صغيرة، كل ما تتمناه أن تذهب إلى مدرستها، تحمل حقيبتها، وتجلس بين أقرانها، تضحك وتتعلم وتكبر.

قد تكون القوانين موجودة، وقد تكون النوايا معلنة، لكن الحقيقة التي كشفتها هذه القصة، أن الطريق إلى الدمج الحقيقي لا يزال طويلًا، ويحتاج إلى ما هو أكثر من قرارات.. يحتاج إلى إنسانية.