قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

علي جمعة: من طاب مطعمه صفا قلبه ورجيت إجابة دعائه

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة مفتى الجمهورية الأسبق،وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف،إن سيدنا النبي المصطفى، والحبيب المجتبى ﷺ، أرشدنا إشارةً وتصريحًا في حديثه إلى أنه ينبغي علينا أن نتخيَّر مطاعمنا.

ما يترتب على سوء المطعم

ونوه انه قد أرجع كثيرٌ من العلماء ما يسري بين الناس من سوء الخلق، وما يترتب عليه من التنازع والخصام، إلى سوء المطعم على مستوياته كلها؛ سواء أكان الطعام من حرامٍ وإن كان حلالًا في ذاته، كالرشوة والسرقة، أو كان الطعام محرَّمًا في نفسه مما حرَّمه الله علينا كالخمر والخنزير والميتة. فكل ما يدخل ليكوِّن لحمك ودمك له علاقةٌ بتقواك لله رب العالمين.

وهذا المعنى يقول فيه سيدنا رسول الله ﷺ: 

من يطب معطعمه يرجى إجابة دعاءه

وتابع: «أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ». فتحرِّي الطعام الطيب يكون بأن يكون مباحًا في نفسه، طيبًا في طعمه، وأن يصل إلى الإنسان من طريقٍ حلال، ومن كسبٍ مشروع. ويقول النبي ﷺ: «الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟». نعم، من طيب الطعام أن يكون من حلال، ولكن حتى الطيبات أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نأخذ منها أطيبها. وكلما تحرَّى الإنسان -وخاصة المسلم- طيب الطعام، وتلذَّذ به، وتذوَّق طعمه، ولم يكن همُّه ملءَ بطنه، ترقَّى في باب استجابة الدعاء مع الله.

وقال الحسن البصري رضي الله تعالى عنه: «كانت بليةُ أبيكم آدم أكله، وهي بليتكم إلى يوم القيامة».

ويقول سيدنا النبي ﷺ: «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ». فأنت تتخيَّر القليل، ولكنه ذو جودةٍ عالية، وهذه الجودة لا تتأتى بغلاء الأثمان، وإنما تتأتى بأن لا يكون همُّ الإنسان بطنه، ولا أن يملأه كيفما شاء، بل عليه أن يتأنى. وكان رسول الله ﷺ إذا مضغ أحسن المضغ. ويقول في أيام التشريق: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فجمع بين الأكل والشرب وبين ذكر الله.

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويشترك معهم فيها الكافرون والمشركون والمنافقون على مائدة الرحمن سبحانه وتعالى، وهي هذا الكون الفسيح العظيم، ولكنها تكون خالصةً لأولئك المؤمنين يوم القيامة.

وأشار إلى أن الله سبحانه وتعالى يحب الجمال، وقد أرشدنا إلى الطيب من الطعام. وهذا الطيب حين تخلَّينا عنه، وأخذنا نأكل كلَّ شيءٍ في الطرقات من غير تحرٍّ، وإنما لسدِّ الجوعة وملءِ البطن، تنازع الناس، ورأينا سوء الخلق ينتشر فيهم؛ لأن الذي لا يتحرى في مأكله ومشربه يدلُّ حالُه على دناءة همةٍ وقلةِ مبالاة، وماذا تنتظر ممن هذه حاله إلا سوء الخلق، والنزاع، والخصام بين الناس؟

وعندما أفاق أولياء الله الصالحون، أهل الكهف، من غفوتهم التي منَّ الله عليهم بها، قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. قالوا: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾، ولم يقولوا: فليأتنا بطعام، مع أنهم منذ ثلاثمائة سنةٍ أو يزيد في جوعةٍ لا يعلمها إلا الله، وكان يمكن أن يقال: ليبادر وليأتنا بأي شيء. لكنهم لم يقولوا ذلك، وإنما قالوا: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.

ويقول تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ولم يقل: كلوا الطيبات، بل قال: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ يعني: كلوا بعض طيبات ما رزقناكم.

فينبغي على الإنسان أن يتحرَّى الجمال في الأكل، والحلال في الأكل، والإقلال في الأكل، فلا يسرف، ولا يملأ بطنه، بل يتخيَّر.