قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عالم مدفون تحت الجليد.. أسرار القارة القطبية تكشف أرشيف الأرض الخفي

القطب الجنوبي
القطب الجنوبي

في أعماق القارة القطبية الجنوبية، حيث يغيب الضوء وتشتد البرودة إلى حدودها القصوى، يرقد عالم صامت لم تمسه التغيرات منذ آلاف السنين. 

تحت طبقات جليدية هائلة، يحتفظ الجليد بفقاعات هواء قديمة تسجل تاريخ الغلاف الجوي، بينما تخفي الأعماق بحيرات مدفونة ورواسب نادرة وكائنات دقيقة تكيفت مع ظروف تكاد تكون مستحيلة هذا “العالم المدفون” ليس سوى أرشيف طبيعي حي لتاريخ الأرض.

اختراق قياسي إلى بحيرة معزولة

نجح فريق علمي في اختراق أكثر من 3.4 كيلومترات من الجليد للوصول إلى بحيرة مدفونة ظلت معزولة منذ عصور سحيقة.

ووفق ما أعلنته وزارة الموارد الطبيعية الصينية، بلغ عمق الحفر 3413 مترا، متجاوزًا الرقم القياسي السابق البالغ 2540 مترا هذا التقدم التقني يتيح نظريا الوصول إلى معظم الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي، بل ويمتد بتطبيقاته إلى القطب الشمالي.

بحيرة كيلين موقع ناءي وأهمية استثنائية

تمت العملية فوق بحيرة كيلين الجليدية الواقعة في منطقة أرض الأميرة إليزابيث، على بعد نحو 120 كيلومترًا من محطة تايشان الصينية.

وتُعد البحيرة واحدة من أكبر البحيرات المخفية تحت الجليد، ما يجعلها هدفا علميا بالغ الأهمية لدراسة بيئة لم تتغير منذ زمن بعيد.

الحفر بالماء الساخن تقنية نظيفة لبيئة حساسة

اعتمد الفريق على تقنية الحفر بالماء الساخن، حيث تُضخ مياه شديدة السخونة بضغط عالٍ لإذابة الجليد تدريجيًا، مشكلة ممرا عموديا نظيفا دون استخدام أدوات ميكانيكية قد تلوث البيئة الداخلية. وتعد هذه الطريقة أقل خطرا على النظم البيئية الدقيقة، إذ تقلل احتمالات نقل الملوثات أو الميكروبات من السطح إلى الأعماق.

ورغم مزاياها، واجهت العملية تحديات تقنية كبيرة، من تثبيت المعدات في درجات حرارة متدنية للغاية، إلى التحكم الدقيق في الخراطيم والأنظمة عبر آلاف الأمتار من الجليد، وضمان عزل كامل يمنع أي تسرب ملوث.

كبسولات زمنية تحفظ ذاكرة المناخ

تكمن قيمة هذه البحيرات في كونها “كبسولات زمنية” طبيعية فالجليد يحتفظ بتركيبه الكيميائي الذي يوثق ظروف المناخ القديم، بينما تسجل الرواسب تحولات جيولوجية لا تظهر على السطح أما الكائنات الدقيقة التي عاشت في الظلام والضغط الشديد، فتقدم نموذجا حيا لقدرة الحياة على التكيف في أقسى البيئات.

من علوم الأرض إلى الأحياء الفلكية

لا يقتصر الاهتمام بهذه البيئات على علوم المناخ والجيولوجيا، بل يمتد إلى علم الأحياء الفلكي. فهذه البحيرات تمثل نظيرا أرضيا لما قد يوجد تحت الجليد في أقمار مثل أوروبا وإنسيلادوس، حيث يُعتقد بوجود محيطات سائلة تحت قشور متجمدة، ما يفتح آفاقا لفهم إمكانية وجود الحياة خارج الأرض.

خطوة أولى نحو استكشاف أعمق

يمثل هذا الإنجاز إضافة نوعية لجهود استكشاف القطب الجنوبي، ويضع مسار وصول موثقا يمكن للبعثات المستقبلية استخدامه لجمع عينات من المياه والرواسب وتحليلها الهدف النهائي يتجاوز دراسة الماضي المناخي، ليصل إلى سؤال جوهري هل يمكن للحياة أن تستمر في أكثر البيئات قسوة؟

لا يقصد بـ“العالم المدفون” كيان مستقل، بل وصف مجازي لمنظومة بيئية كاملة حفظت تحت الجليد هناك، تحت آلاف الأمتار، أرشيف طبيعي يوثق فصولا من تاريخ الأرض لم تعد موجودة على السطح، ويمنح العلماء نافذة نادرة على زمن بعيد ظل محفوظ في صمت أبيض طويل.