عادت أزمة عدم وصول شحنات الكتب الخاصة بالناشرين المصريين إلى المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، لتفرض نفسها مجددًا على المشهد الثقافي، وسط تصاعد حدة الانتقادات الموجهة إلى اتحاد الناشرين المصريين، واتهامات بفشل إداري متكرر وشبهات تضارب مصالح في إدارة ملف الشحن، وذلك بالتزامن مع اقتراب انتخابات مجلس الإدارة الشهر المقبل.
الأزمة، التي تتكرر للعام الثالث على التوالي وفق روايات ناشرين، لم تعد مجرد خلل لوجستي عابر، بل تحولت إلى مؤشر واضح على أزمة هيكلية داخل منظومة الاتحاد، خاصة مع مشهد الأجنحة المصرية شبه الخالية من الإصدارات في الأيام الأولى لانطلاق المعرض، ما أثار استياء الزوار وأحرج المشاركين.
ويؤكد ناشرون أن الشحنات البحرية، التي تمثل النسبة الأكبر من الكتب، لم تصل حتى مع افتتاح المعرض، بينما تم الاعتماد على الشحن الجوي لنسبة محدودة لا تتجاوز 10% من العناوين، كحل مؤقت لم ينجح في تعويض الغياب الفعلي للإصدارات، في وقت التزمت فيه دول أخرى بمواعيد وصول شحناتها، وهو ما عمّق الشكوك حول وجود خلل خاص بالإدارة المصرية للملف.
الناشر شريف بكر عبّر عن استيائه من تكرار الأزمة، معتبرًا أن ما يحدث يعكس «عشوائية واضحة» في إدارة الاتحاد، مشيرًا إلى أن تداعيات العام الماضي لم تُحل حتى الآن، حيث لا تزال بعض الشحنات عالقة بسبب غرامات جمركية، وهو ما يضاعف الخسائر ويضع الناشرين في أزمة مستمرة.
ولا تتوقف الانتقادات عند التأخير فقط، بل تمتد إلى آليات التعاقد مع شركات الشحن، حيث أثيرت تساؤلات حول أسباب تجاهل عروض أقل تكلفة لصالح التعاقد مع شركة بعينها، في ظل ما وصفه ناشرون بوجود علاقات متداخلة وتضارب مصالح داخل لجنة المعارض.
في هذا السياق، قال الناشر إسلام عبد المعطي، مدير دار روافد للنشر، إن تكرار الأزمة «يكشف عشوائية الإدارة وغياب المحاسبة»، مؤكدًا أن ما يحدث يعكس غياب معالجة حقيقية للأسباب، فضلًا عن ضعف في صياغة العقود وعدم القدرة على إلزام شركات الشحن بتنفيذ التزاماتها.
وأضاف عبد المعطي أن هذا القصور أدى إلى «استخفاف شركات الشحن بالتعامل مع الاتحاد»، لافتًا إلى أن شحنة العام الماضي لم تصل إلا في الأيام الأخيرة من المعرض، ولم تُعاد حتى الآن، رغم الخسائر التي تُقدَّر بآلاف الدولارات لكل دار نشر، مؤكدًا أن الأزمة هذا العام تتكرر «بالتفاصيل نفسها، وربما بصورة أسوأ».
من جانبه، وجّه الناشر محمد البعلي، مدير دار صفصافة للنشر، انتقادات أكثر حدة، مؤكدًا أن الأزمة الحالية تعكس «تخبطًا إداريًا وغياب الكفاءة»، مشيرًا إلى أن آلية ترسية مناقصات الشحن تحيط بها «علامات استفهام»، مع وجود انحياز واضح من لجنة المعارض لصالح شركة الشحن المتعاقد معها، دون محاسبة حقيقية على التقصير.
وأوضح البعلي أن هذا الوضع يعكس خللًا في ترتيب الأولويات داخل مجلس الإدارة، مشيرًا إلى أن الخسائر التي تكبدها الناشرون نتيجة عدم وصول الكتب «يصعب حصرها»، خاصة مع تحملهم تكاليف كبيرة كان من المفترض تعويضها من خلال المبيعات التي لم تتحقق.
في سياق متصل، كشفت وقائع سابقة عن أزمات أكثر تعقيدًا، من بينها ضبط كتب مزورة داخل جناح إحدى دور النشر خلال دورة العام الماضي، وهي الواقعة التي انتهت بإغلاق الجناح دون إعلان نتائج تحقيق أو محاسبة واضحة، ما اعتبره ناشرون دليلًا على ازدواجية المعايير وغياب الشفافية داخل الاتحاد، خاصة مع ارتباط الواقعة بأحد المسؤولين عن ملف المعارض.
كما تثار شبهات فساد في ملف الشحن، بعد الكشف عن تفاوت كبير في الأسعار المعروضة، حيث تم تجاهل عروض أقل لصالح أسعار أعلى، مع وجود تعامل شبه حصري مع شركة واحدة، إضافة إلى مشاركة ممثل الشركة في اجتماعات لجنة المعارض، وهو ما يعكس – بحسب ناشرين – تضاربًا واضحًا في المصالح.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع استمرار تداعيات الأعوام السابقة، إذ لا تزال بعض الشحنات عالقة بسبب مشكلات جمركية، دون تحرك فعّال من الاتحاد لاستعادتها أو تعويض المتضررين، إلى جانب تكرار أزمات مماثلة في معارض أخرى، مثل معرض مسقط، حيث تم إعادة شحن الكتب بتكاليف مرتفعة رغم وجود بدائل أقل تكلفة.
مصادر داخل الوسط تشير إلى أن ما يحدث لم يعد مجرد سوء إدارة، بل قد يرتبط بصراعات داخلية تؤثر على قرارات الشحن، وتفتح الباب أمام احتمالات التلاعب في تحديد أولويات شحن بعض دور النشر دون غيرها.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد المطالب بفتح تحقيق عاجل وشفاف في ملف الشحن، ومراجعة آليات التعاقد، ووضع ضوابط تضمن الشفافية والكفاءة، خاصة مع اقتراب الانتخابات، التي ينظر إليها البعض باعتبارها فرصة لإعادة تقييم الأداء، بينما يرى آخرون أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير أشخاص، وتحتاج إلى إصلاح هيكلي شامل.
وتبقى أزمة معرض الرباط نموذجًا صارخًا لتحديات تواجه صناعة النشر المصرية في الخارج، واختبارًا حقيقيًا لقدرة اتحاد الناشرين المصريين على استعادة ثقة أعضائه، وإنهاء مسلسل الأزمات المتكررة التي كبدت الناشرين خسائر مادية ومعنوية كبيرة.