قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب : شفرة الطيبات

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​حالة من اللغط الكبير أثارها الطبيب الراحل د. ضياء العوضي بنظام غذائي أطلق عليه "الطيبات"؛ مسارٌ لم يكن مجرد قائمة طعام، بل مثّل "انقلاباً" على كل ما استقر في الوجدان الصحي والبديهية الطبية. لقد غادر صاحب هذا الطرح دنيانا منذ أيام، لكنه خلف وراءه تساؤلات معلقة حول "سلطة الكاميرا" وقدرتها على هزيمة قدسية "المختبر" العلمية. فبطل هذه الرواية الجدلية لم يكن مجرد طبيب مفصول يمارس مهمة تشذ عن طبيعة دراسته وتخصصه المهني، بل تجلى كـ "مهندس أوهام" من طراز رفيع؛ إذ أدرك مبكراً كيف يطوع "المنصات" لتكون نوافذ لتسطيح وتغييب للوعي الصحي الجمعي؛ حيث نقل الصراع من ساحات البحث العلمي الرصين إلى أتون الجدل الرقمي، متلاعباً بعواطف البسطاء عبر وعودٍ براقة بشفاءٍ وهمي وخلاصٍ زائف، ليحول الجهل بالحقائق البيولوجية إلى عقيدة يلتف حولها مريدوه، بمنأى عن أي رقابة صحية أو ضمير أخلاقي.

​إن هذا الصعود لم يأتِ بمحض الصدفة، بل جاء عبر تدرجٍ مدروس في الفضاء الافتراضي وبذكاءٍ فطري مريب، عندما استهل رحلته باستراتيجية تسلل ناعمة، أطل فيها بصورة القريب من الناس، معتمداً خلفيات بسيطة وعفوية تتمثل في زوايا عيادته المتواضعة، أو الجلوس خلف مكتب مثقل بالأوراق بعيداً عن التكلف الشكلي، مما يوحي بنقاء الرسالة وزهد مرسلها عن بريق الاستوديوهات المعقمة. كل هذا التقشف البصري المتعمد كان هو الطُّعم الأول لصناعة ألفة نفسية، توحي بامتلاك سرٍ محجوب عن الآخرين، وبأن "المخلص" قد جاء أخيراً لينقذ المرضى من تعقيدات الطب التقليدي وهواجس المؤامرات المتخيلة. ومع تصاعد السطوة التكنولوجية، انتقل العوضي إلى مرحلة الصدمة المعرفية، فتعمد تحطيم الثوابت بعناوين انتحارية تدعي أن الخضروات سموم والفواكه مهلكات، وهو تكنيك "خوارزمي" بارع لإحداث تنافر ذهني يجبر المتابع على السقوط في شباك جاذبية الحضور ويقينها الذي لا يرتجف.

​بنى صاحب "الطيبات" برنامجه المثير للجدل على هندسة نفسية دقيقة، استندت في جوهرها إلى خلق "عدو متخيل" يمثله المنطق الطبي المستقر، فصور المنظومة العلمية كـ "جماعة ضغط" تحارب الحقيقة، مما حول جماهيره من مجرد مشاهدين إلى "مريدين" يذودون بشراسة عن إمامهم المعرفي. وعزز هذا الارتباط بلغة جسد قاطعة، اتسمت بحركات يدوية عمودية وإشارات سبابة متسلطة كانت تعلن في كل ثانية نهاية زمن الشك وبدء عصر "اليقين الخاص"؛ مما منح التائهين صحياً شعوراً خادعاً بالأمان في كنف الكلمات الجازمة.

وعند تتبع المسار التحليلي لهذه المزاعم، نجد أننا أمام راديكالية "هادمة" لم تكتفِ بطرح البدائل، بل ذهبت نحو تدمير قناعات لا تقبل التأويل؛ فهي راديكالية تعمدت اجتثاث الثقة في البديهيات الفطرية لتزرع مكانها ارتياباً مستمداً من سلطة الشاشة لا من دقة المختبر. ففي أحد تسجيلاته الأكثر صخباً، قرر العوضي يقيناً صادماً حين قال نصاً: "إن الخضروات الورقية والفاكهة هي أكبر كذبة في التاريخ الطبي، فهي مجرد ألياف خشبية تدمر جدار الأمعاء وتسبب الالتهابات المناعية، ومن يريد الشفاء عليه أن يمتنع عن أكل السلطة فوراً لأنها طعام للحيوانات وليست للبشر". هذا الادعاء الذي يصدم الفطرة البشرية، يفنده تقرير علمي حاسم من مدرسة هارفارد للصحة العامة (صدر عام 2024)؛ حيث تؤكد الأبحاث أن النظام الغني بالورقيات هو الدرع الأول ضد السكتات الدماغية، موضحة أن الألياف ليست "أخشاباً" كما زُعم، بل هي المحرك الأساسي لعملية الهضم وخفض الكوليسترول الضار.

​ويتجاوز هذا العبث حدود الحمية الغذائية، ليمس آليات بقاء مريض السكر والقلب على قيد الحياة؛ ففي مقطع آخر، وجه نصيحة تنسف أبجديات الرعاية الصحية قائلاً: "العصائر المعلبة والمشروبات الغازية أفضل من شرب الماء بكثرة، لأن الماء يخفف تركيز الأملاح في الدم ويضعف القلب، بينما السكريات في العصائر تمد الجسم بالطاقة التي يحتاجها مريض السكر". وهنا تتجلى الخطورة في أبشع صورها؛ إذ يرد الدكتور "فرانك هو"، رئيس قسم التغذية بجامعة هارفارد، في دراسته المرجعية المنشورة بدورية "JAMA" (إصدار 2014)، مؤكداً أن الاستهلاك المفرط للسكريات المضافة هو المحرك العالمي الأول لانتشار السكري من النوع الثاني وفشل وظائف القلب، واصفاً استبدال الماء بالسائل المحلى بأنه "انتحار تمثيلي" للوظائف الحيوية.

​هذا التباين الصارخ بين توهج الشخصية وحقائق العلم يكشف كيف استحال المشهد بأكمله إلى فخ منطقي؛ فبمنأى عن تلك الادعاءات، جاءت تقارير "مايو كلينك" (الموثقة في 2022) لتذكر العالم بأن الترطيب الكافي بالماء هو حجر الزاوية للضغط المستقر، وأن الزعم بوهن القلب نتيجة الارتواء هو افتراء يفتقر لأصول الفسيولوجيا البشرية. نحن هنا لا نواجه مجرد اجتهاد غذائي مغاير، بل بصدد ردة غلفتها الكاريزما برداء القداسة، ليدفع المرضى ثمن سلامتهم الجسدية في سبيل "تريند" عابر لا يقيم وزناً للأرواح.

​وعليه، فإن النجاة من هذا التيه الرقمي تبدأ بوعي المشاهد نفسه بأن ما يراه عبر بريق "البكسلات" ليس محض نصيحة عفوية، بل هو منتج صُمم بدقة لاصطياد انتباهه؛ فيما يعرف بـ "اقتصاد الانتباه" الذي يحول الوقت إلى أرباح. ولتفكيك هذا الفخ، علينا كشف ثالوث التأثير الهدام: أوله "اليقين المزيف" الذي يستخدم نبرة قاطعة لترهيب الوعي، وثانيه "التلاعب بالعواطف" الذي يخاطب مراكز الخوف بداخلنا ليعطل قدرتنا على التفكير المنطقي، وثالثه "سجن التكرار" الذي تفرضه الخوارزميات لتعزلنا داخل فقاعات نمطية. إن الحماية الحقيقية تكمن في "التطعيم المعرفي"؛ أي تدريب العقل على فحص المعلومات قبل استيطانها، والتمسك بالمرجعية البحثية الرصينة؛ فالحقيقة لا تُقاس بضجيج المنصات، بل بتجارب وفلترة المختبر الموثقة، حيث تسكن الحقائق الراسخة التي لا تزعزعها عواصف الشاشات.