صادق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قانون جديد يهدف إلى تسهيل إعادة الأعمال الفنية والقطع الأثرية التي خرجت من بلدانها خلال فترات الاستعمار.
وتعد هذه الخطوة تحولا مهما في ملف استرداد الممتلكات الثقافية عالميا، حيث تعكس توجها جديدا نحو إعادة النظر في وضع المقتنيات التاريخية ذات الأصول الاستعمارية.
وأقر البرلمان الفرنسي قانونا جديدا يهدف إلى إتاحة إعادة الممتلكات الأثرية والفنية التي خرجت من بلدانها الأصلية خلال فترات الاستعمار، في خطوة اعتبرت تحولا بارزا في طريقة تعامل فرنسا مع إرثها الاستعماري، ومحاولة لإعادة بناء علاقاتها الثقافية والتاريخية مع الدول الأفريقية على أسس جديدة تقوم على الاعتراف بالتاريخ والتعاون الثقافي.
ويأتي هذا القانون بعد ما يقرب من تسع سنوات من بدء النقاشات الرسمية حول هذا الملف، وذلك في إطار الوعود التي أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ خطابه الشهير في العاصمة البوركينية واغادوغو عام 2017، عندما أكد ضرورة فتح صفحة جديدة مع أفريقيا تقوم على المصالحة الثقافية وإعادة النظر في وضع الممتلكات الثقافية التي غادرت القارة خلال الحقبة الاستعمارية.
وينص القانون الجديد على وضع إطار قانوني واضح يسمح بإخراج بعض القطع الأثرية والفنية من المجموعات الوطنية الفرنسية وإعادتها إلى بلدانها الأصلية، شريطة إثبات أن هذه القطع قد نهبت أو خرجت بطرق غير مشروعة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1815 و1972.
كما ينص على إخضاع طلبات الاسترداد لمراجعة من قبل لجان علمية وبرلمانية متخصصة، تتولى دراسة الوثائق التاريخية والقانونية المتعلقة بكل قطعة قبل اتخاذ قرار نهائي بشأنها.
ويمنح القانون كذلك الحكومة الفرنسية صلاحيات أوسع لتسريع إجراءات إعادة القطع الأثرية، من خلال إصدار مراسيم حكومية مباشرة بدل الاعتماد على المسارات التشريعية الطويلة والمعقدة التي كانت تستغرق سنوات في السابق.
وفي إطار تنفيذ هذا التوجه الجديد، بدأت السلطات الفرنسية مراجعة أصول ما يقرب من 90 ألف قطعة أثرية أفريقية محفوظة داخل المتاحف الفرنسية، من بينها عشرات الآلاف من القطع الموجودة في متحف كيه برانلي بباريس، الذي يعد من أبرز المتاحف المتخصصة في الفنون والحضارات الأفريقية والآسيوية.
كما تواصل فرنسا تعاونها مع عدد من المؤسسات والمتاحف الأوروبية لإطلاق مشروعات بحثية تهدف إلى تتبع مصادر القطع الأثرية وتوثيق ظروف خروجها من بلدانها الأصلية، ومن بين هذه المبادرات صندوق بحثي مشترك مع ألمانيا بقيمة 2.1 مليون يورو، خصص لدعم الدراسات والأبحاث المتعلقة بتاريخ المقتنيات الأثرية ومسارات انتقالها خلال الفترات الاستعمارية.
أولا: متحف اللوفر – باريس
يعد متحف اللوفر من أهم المؤسسات التي تضم آثارا مصرية خارج مصر، حيث يحتوي على آلاف القطع المعروضة، وتشير بعض التقديرات إلى أن مجموع مقتنياته المصرية في العرض والمخازن قد يصل إلى ما بين 50.000 و55.000 قطعة.
ومن أبرز محتوياته:
- تمثال الكاتب الجالس، وهو من أشهر آثار الدولة القديمة.
- مجموعة من التماثيل الملكية، تشمل تماثيل لملوك مثل رمسيس الثاني وأخناتون وأمنحتب.
- أقسام متخصصة تعرض جوانب من الحضارة المصرية القديمة مثل النيل، والكتابة، والحرف، والملابس، والموسيقى.
كما يضم قسم الآثار المصرية آلاف التماثيل والبرديات والقطع النادرة ذات القيمة التاريخية الكبيرة.
ثانيا: متحف الفنون الجميلة في ليون
ويحتوي المتحف على مجموعات متنوعة من الآثار المصرية، من بينها:
- تماثيل أوشابتي الجنائزية الصغيرة.
- أدوات زراعية تعود إلى الحضارة المصرية القديمة.
- بعض اللوحات الجدارية والقطع الفنية المرتبطة بالحياة اليومية والدينية في مصر القديمة.
ثالثا: متحف مارسيليا للحضارات المتوسطية (MUCEM)
يضم هذا المتحف مجموعة من القطع المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة، وتشمل:
- أدوات جنائزية.
- تماثيل وآثار متنوعة تعكس جوانب من الممارسات الدينية والحياة الاجتماعية في مصر القديمة.
أعمال فنية مصرية بارزة في فرنسا
ومن أبرز القطع الأثرية المصرية الموجودة في فرنسا:
- دائرة دندرة الفلكية (زودياك دندرة)، وهي من أشهر القطع الفرعونية المعروضة في متحف اللوفر.
- لوحة مصلى أمنحتب الأول، وهي قطعة أثرية ذات أهمية تاريخية كبيرة محفوظة في اللوفر.
- مجموعات واسعة من التماثيل والبرديات التي تشكل جزءا كبيرا من القسم المصري بالمتحف.
جهود مصر في استرداد الآثار
نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة في استعادة عدد من القطع الأثرية التي خرجت بطرق غير قانونية، وذلك من خلال التعاون القضائي والدولي،
ومن أبرز هذه الجهود:
- استعادة جداريتين أثريتين من فرنسا عام 2023، بعد ثبوت تهريبهما، وتمت العملية عبر السفارة المصرية في باريس.
- استرجاع قطع أثرية من مقابر سقارة، من بينها أجزاء من مقبرة "تبة الجيش"، بعد عمليات تتبع وتحقيقات مشتركة.
- استرداد 114 قطعة أثرية من فرنسا، شملت تماثيل لملوك وآلهة مثل أمنحتب الثالث وحتشبسوت وحورس، إضافة إلى تمثال "البا"، وأوان فخارية، وعقود أثرية، وذلك بعد تعاون بين النيابة العامة المصرية والسلطات الفرنسية ووقف إجراءات بيعها أو تداولها.
الإطار القانوني والتعاون الدولي
ينص القانون الفرنسي الجديد على تعزيز التعاون في مجال إعادة الممتلكات الثقافية، ويشمل بندا مهما يقضي بأنه إذا كانت الممتلكات الثقافية تعود إلى جهة عامة غير الدولة، فلا يمكن إخراجها من الملك العام إلا بعد الحصول على موافقة رسمية من تلك الجهة.
ويأتي هذا التطور في إطار تعزيز العلاقات بين مصر وفرنسا، والتي شهدت تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، وتوجت بزيارات رسمية، من بينها زيارة الرئيس الفرنسي إلى الإسكندرية، والتي عكست عمق العلاقات الثنائية بين الشعبين.
حجم الآثار المصرية في فرنسا وإشكالية الأرقام
ولا توجد بيانات رسمية حاسمة تحدد عدد القطع الأثرية المصرية الموجودة في فرنسا والتي تصنف بأنها "منهوبة"، كما لا توجد قيمة مالية إجمالية لها، وذلك لعدة أسباب:
- عدم وجود قائمة نهائية معتمدة بالقطع التي تعتبر غير قانونية المصدر.
- خروج عدد كبير من الآثار في فترات تاريخية مختلفة، بعضها خلال الحملة الفرنسية أو القرن التاسع عشر، وبعضها عبر البيع أو التبادل في سياقات تاريخية مختلفة.
- تصنيف المتاحف الفرنسية لهذه القطع باعتبارها "مقتنيات أثرية مكتسبة تاريخيا" وليس "منهوبة".
العدد التقريبي للآثار المصرية في فرنسا
وفق بيانات رسمية وتقارير ثقافية:
- يحتوي متحف اللوفر على ما بين 5.000 إلى 6.000 قطعة أثرية مصرية معروضة.
- وتشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي القطع المصرية داخل العرض والمخازن قد يصل إلى 50.000–55.000 قطعة.
وتشمل هذه المقتنيات:
- تماثيل متنوعة.
- توابيت ومومياوات.
- برديات أثرية.
- أدوات حياتية ونقوش حجرية.
الموقف الرسمي من مسألة "المنهوب"
وفق الرؤية المصرية الرسمية:
- تطالب مصر باستعادة القطع ذات الأصل غير القانوني أو التي خرجت في سياقات استعمارية أو عبر تهريب.
- لكن لا يتم تصنيف جميع المقتنيات المصرية في الخارج على أنها مسروقة.
- تتركز الجهود على استرداد قطع محددة ذات أهمية تاريخية أو حالة قانونية واضحة.
وفي هذا الصدد، قال العالم الأثري، زاهي حواس: "خرجت أعداد كبيرة من الآثار المصرية من البلاد خلال فترات الاستعمار، أو عبر طرق لم تكن قانونية أو لم تتم وفق قواعد واضحة وعادلة لحماية التراث، وهذا الواقع وجود مسؤولية تاريخية وأخلاقية تقع على عاتق الدول الأوروبية التي تحتفظ بهذه القطع، بما يفرض عليها واجب النظر الجاد في إعادتها إلى موطنها الأصلي".
وأضاف حواس- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن العديد من المتاحف في فرنسا مازالت تحتفظ بقطع أثرية مصرية تم الحصول عليها في ظروف غير منصفة، سواء من خلال عمليات بيع تمت في سياقات تاريخية مضطربة، أو عبر التهريب، أو بطرق لم تكن تعكس معايير الحماية الحديثة للآثار وحقوق الدول في تراثها الثقافي.
وأشار حواس، إلى أن متحف اللوفر في فرنسا يعد من أبرز المؤسسات التي تضم مجموعة كبيرة من الآثار المصرية، حيث خرجت بعض هذه القطع من مصر في مراحل تاريخية قديمة، ارتبطت بضعف أنظمة الرقابة في ذلك الوقت، أو بآليات التوزيع الأثري التي كانت سائدة خلال القرن التاسع عشر.
واختتم : "استعادة هذه الآثار باعتبارها حقا تاريخيا مشروعا لمصر، وواجبا ثقافيا وأخلاقيا يهدف إلى إعادة التراث إلى سياقه الحضاري الأصلي".



