أحال المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، خلال الجلسة العامة للمجلس، مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين (المعروف بقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين) إلى لجنة مشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، ومكاتب لجان التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، والشؤون الدينية، وحقوق الإنسان، وذلك لدراسته ومناقشته تمهيدًا للتصويت النهائي عليه.
ويتكون مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من 160 مادة، تم توزيعها على 7 أبواب رئيسية، يتم من خلالها تنظيم مختلف جوانب الأحوال الشخصية داخل الأسرة المسيحية، بدءًا من عقد الزواج وشروطه وحتى الطلاق والميراث والحضانة والنفقات، وجاء الباب الأخير من القانون ليتناول عقوبات المخالفات والجرائم التي قد تنشأ عن تطبيق أحكامه.
عقوبات رادعة لزواج الأطفال
أوضحت المادة (154) من مشروع القانون، أنه مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ورد النص عليها في قانون العقوبات المصري أو في أي قانون آخر، يعاقب على الجرائم المنصوص عليها في المواد الآتية بالعقوبات المقررة فيها، تطبيقًا لمبدأ تدرج العقوبات وعدم الإفلات من المساءلة.
ونصت المادة (155) على عقوبة مشددة ورادعة لكل من تسول له نفسه التعدي على الطفولة، حيث يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائتي ألف جنيه، كل من زوج أو شارك بأي صورة في زواج طفل لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وقت إتمام عقد الزواج، وذلك سواء كان هذا الشخص هو المأذون أو الكاهن أو الموثق أو ولي الأمر أو أي شخص آخر ساهم في هذا العقد المحرم.
عقوبات إضافية: عزل الموثق وعدم سقوط الجريمة بمضي المدة
وفضلًا عن العقوبات الأصلية المنصوص عليها في الفقرة السابقة (الحبس والغرامة المالية الكبيرة)، يحكم على الموثق بالعزل من وظيفته نهائيًا، ولا يجوز إعادته إلى الخدمة مرة أخرى.
كما أكدت المادة أن هذه الجريمة لا تسقط بمضي المدة (أي لا يسقط حق المجتمع في العقاب بمرور الزمن)، وذلك لخطورتها ولحماية حقوق الأطفال وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب مهما طالت المدة بين ارتكاب الجريمة واكتشافها.
عقوبة الموثق المخالف لإجراءات التوثيق
وتضمنت المادة (156) من المشروع عقوبة مالية محددة للموثقين الذين يخالفون الإجراءات القانونية المنظمة لتوثيق عقود الزواج، حيث يعاقب الموثق بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه في حالتين:
إذا خالف نص المادة (16) من هذا القانون المتعلقة بإجراءات التوثيق والشروط الشكلية الواجب توافرها في عقد الزواج.
إذا وثق عقد زواج دون حصول الزوجين على الشهادة الطبية اللازمة المشار إليها بقرار وزير الصحة والسكان رقم 338 لسنة 2008 (والتي تثبت خلو الطرفين من الأمراض الوراثية والمعدية التي قد تؤثر على سلامة الزواج والأبناء).
كما أجازت المادة للمحكمة، بالإضافة إلى الغرامة المالية، أن تقضي بعزل الموثق من وظيفته إذا رأت أن المخالفة التي ارتكبها جسيمة وتستوجب هذا الجزاء التأديبي الإضافي.
تنظيم تركات البطاركة والأساقفة والرهبان والراهبات
في خطوة قانونية مهمة تستهدف وضع إطار قانوني واضح لمسائل طالما ارتبطت بالتقاليد الكنسية والأعراف المستقرة داخل الكنائس المصرية، نصت مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، المقدمة من الحكومة إلى مجلس النواب، على تنظيم مصير تركات وممتلكات البطاركة والأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات بعد وفاتهم، بما يضمن انتقال ممتلكاتهم إلى الجهات الكنسية المختصة وفقًا لرتبة كل منهم وقوانين كنيسته.
البطاركة والأساقفة.. التركة تؤول إلى الكنيسة
جاء في الفصل الثاني من مشروع القانون، تحت عنوان "في تركات البطاركة والأساقفة والرهبان لجميع الطوائف المسيحية"، أن تركة بطريرك الأقباط، سواء كان من الأقباط الأرثوذكس أو من السريان الأرثوذكس، تؤول بالكامل إلى البطريركية التي يتبعها (الكرسي البطريركي)، وذلك يشمل جميع أمواله منقولاً كانت أو عقارًا، بغض النظر عن قيمتها أو مصدرها.
كما نص المشروع على أن تركة مطارنة وأساقفة الروم الأرثوذكس في مصر تؤول إلى البطريركية في مصر، مع استثناء واحد فقط: ما يثبت أن هذه الأموال قد آلت إليهم عن طريق الإرث من أسرهم (الآباء والأمهات والأقارب) قبل الرسامة الكنسية، فهذه الأموال تظل ملكًا شخصيًا لهم وتنتقل إلى ورثتهم الشرعيين بعد وفاتهم.
الرهبان والراهبات.. الممتلكات للأديرة
وبحسب النص القانوني، فإن جميع ما يتركه الراهب أو الراهبة من أموال ومقتنيات وملابس وأدوات شخصية بعد النذر الرهباني (وهو التاريخ الذي يلتزم فيه الراهب أو الراهبة بحياة التبتل والفقر والطاعة) يؤول إلى الدير الذي كان ينتمي إليه الراهب، أو إلى الدير الذي تنتمي إليه الراهبة، باعتبار أن الرهبنة في أساسها تقوم على مبدأ التجرد الكامل من الملكية الشخصية والانقطاع للعبادة والخدمة الكنسية.
ويمتد هذا الحكم ذاته إلى أعضاء الرهبانيات في الكنائس الكاثوليكية بمختلف طوائفها، حيث تؤول ممتلكاتهم بعد وفاتهم إلى الرهبانية أو المؤسسة الدينية التي ينتمون إليها (مثل الآباء اليسوعيين، الآباء الفرنسيسكان، الآباء الدومنيكان، وغيرهم)، وذلك ما لم تكن هذه الأموال قد ورثوها عن أسرهم قبل الانضمام إلى الحياة الرهبانية.
استثناءات تحفظ الحقوق الشخصية والوراثية
أكد مشروع القانون أن الأموال التي آلت إلى رجل الدين (كاهن أو أسقف أو بطريرك) أو إلى الراهب أو الراهبة عن طريق الميراث الشرعي قبل الرسامة الكنسية أو قبل النذور الرهبانية، وكذلك ما قد يرثونه لاحقًا من أقاربهم (بعد الرسامة أو الرهبنة) من آباء أو أمهات أو إخوة، فإن هذه الأموال تظل ملكية شخصية لهم وحدهم، وتنتقل بعد وفاتهم إلى ورثتهم الشرعيين (أسرهم) وفقًا للقواعد العامة لقانون الميراث المصري (الذي يطبق على المسيحيين وفقًا لشرائعهم الكنسية).
تنظيم قانوني يرسخ الاستقرار ويحسم النزاعات
يهدف هذا التنظيم القانوني الدقيق إلى حسم أي نزاعات قانونية محتملة بشأن ممتلكات رجال الكنيسة والرهبان والراهبات بعد وفاتهم، والتي كانت قد أثارت في الماضي خلافات بين الأسر والأديرة والكنائس.
كما يهدف إلى ترسيخ مبدأ الفصل الواضح بين الملكية الشخصية (التي تنتقل إلى الورثة) والأموال المخصصة للخدمة الكنسية والرهبانية (التي تؤول إلى الكنيسة أو الدير)، بما يعزز الاستقرار القانوني والكنسي ويحافظ على الحقوق الكنسية والوراثية في آن واحد، ويوفر إطارًا قانونيًا عصريًا يتناسب مع طبيعة العلاقة بين أبناء الطائفة المسيحية ومؤسساتهم الدينية.



