أكد المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي ، أن مصر كانت ولا تزال الداعم الدائم للشعب الليبي والملجأ الوحيد للعرب، مشددًا على أن العلاقات بين القاهرة وطرابلس ليست مجرد علاقات بين دولتين، بل روابط تاريخية وأسرية وإنسانية ممتدة عبر مئات السنين.
وقال صالح، خلال كلمته أمام الجلسة العامة لمجلس النواب اليوم الاثنين برئاسة المستشار هشام بدوى، إن الدعوة الكريمة التي تلقاها لزيارة البرلمان المصري تعكس عمق الروابط التاريخية وصلابة العلاقات الأخوية بين الشعبين، وتعبر عن مستوى التنسيق والتعاون المشترك بين البلدين في مختلف المجالات.
وأوضح أن مصر احتلت عبر التاريخ مكانة ثقافية وحضارية متميزة، بفضل وجود الأزهر الشريف ومكانتها العلمية، مؤكدًا أن أرضها كانت دائمًا ملاذًا للمهاجرين والباحثين عن الأمن والاستقرار والعلم والعمل، مضيفًا أن الشعب المصري عُرف بكرم الضيافة واحتضان كل من ضاقت به السبل.
وأشار رئيس مجلس النواب الليبي إلى أن العلاقة بين الشعبين الليبي والمصري تتجاوز المفهوم التقليدي للعلاقات بين الدول، قائلاً إن الشعبين “يتجاوزان الحدود والجغرافيا”، وإن العلاقة بينهما “علاقة الأخ بالأخ والجار بالجار والدم بالدم”، موضحًا أن القبائل والعائلات والمصاهرات ممتدة بين شرق ليبيا وغرب مصر، بما يجعل من الصعب الفصل بين الشعبين.
وأضاف أن الليبيين لم ينسوا ولن ينسوا مواقف مصر الداعمة لهم عبر التاريخ، مؤكدًا أن مصر لم تكن فقط سندًا لليبيا، بل كانت دائمًا الداعم الرئيسي للعرب جميعًا، وأن الروابط بين البلدين قائمة على الدين واللغة والنسب والجوار المشترك.
واستعرض عقيلة صالح محطات الدعم المصري التاريخي لليبيا خلال فترة الاحتلال الإيطالي، موضحًا أن مصر احتضنت المجاهدين الليبيين وقدمت لهم الدعم السياسي والإعلامي والعسكري، وساهمت في نقل القضية الليبية إلى العالم، كما احتضنت المناضلين والمثقفين الليبيين وقدمت الرعاية للمصابين والمطاردين.
وأشار إلى أن الكاتب الوطني محمد فريد كتب عام 1912 عن دعم مصر لليبيا، مؤكدًا أن الشعب المصري كان يرغب في إرسال الجيوش لنصرة الأشقاء في ليبيا، لكن الاحتلال البريطاني كان يقيد الحركة المصرية آنذاك.
كما تحدث عن الدور المصري في دعم حركة الجهاد الليبي ضد الاحتلال الإيطالي، مؤكدًا أن الإمدادات والأسلحة والمؤن كانت تتدفق من مصر إلى المجاهدين الليبيين، وأن الإعلام المصري لعب دورًا مهمًا في نقل معاناة الشعب الليبي إلى العالم.
وأوضح أن الاحتلال الإيطالي أقام الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية الليبية بطول يزيد على 300 كيلومتر لقطع خطوط الإمداد ومنع التواصل بين الشعبين، مؤكدًا أن هذه الإجراءات الاستعمارية لم تنجح في كسر الروابط التاريخية بين البلدين.
وأكد رئيس مجلس النواب الليبي أن مصر ساهمت أيضًا في تأسيس الجيش السنوسي خلال الحرب العالمية الثانية، والذي أصبح لاحقًا نواة الجيش الليبي، مشيرًا إلى أن معسكرات التدريب كانت في السلوم وسيدي براني ومرسى مطروح تحت إشراف ضباط مصريين وبريطانيين.
وأضاف أن مصر دعمت استقلال ليبيا ووحدتها الوطنية، وساندت الملك إدريس السنوسي باعتباره رمزًا لوحدة البلاد، كما ساهمت في بناء مؤسسات الدولة الليبية الحديثة من خلال إرسال المعلمين والأطباء والخبراء والعمالة المصرية للمشاركة في النهضة الليبية.
وتناول عقيلة صالح تطورات الأزمة الليبية الحديثة، مؤكدًا أن مصر وقفت إلى جانب الشعب الليبي بعد أحداث عام 2011، وسعت إلى حماية الحدود المشتركة من الإرهاب والاختراقات الأمنية، كما دعمت مجلس النواب الليبي منذ انتخابه عام 2014 وقدمت المساندة السياسية للمؤسسات الشرعية الليبية.
وأشار إلى دعم مصر للقوات المسلحة الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر في مواجهة الجماعات الإرهابية، مؤكدًا أن القاهرة اصطفّت إلى جانب الشعب الليبي حتى تم القضاء على الإرهاب في العديد من المناطق الليبية.
كما استعرض موقف مصر خلال كارثة إعصار “دانيال” التي ضربت مدينة درنة عام 2023، مشيرًا إلى أن مصر كانت أول دولة ترسل فرق الإنقاذ والمساعدات الإنسانية والطبية بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأن الطائرات المصرية كانت أولى الطائرات التي وصلت إلى ليبيا للمشاركة في عمليات الإنقاذ والإغاثة.
وأكد أن الموقف المصري تجاه ليبيا ظل ثابتًا منذ بداية الأزمة، ويقوم على دعم وحدة الأراضي الليبية والحفاظ على سيادتها والدفع نحو حل سياسي شامل بإرادة ليبية خالصة، بعيدًا عن أي تدخلات أو إملاءات خارجية.
وشدد على أن مصر تدعم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن، وتؤيد تشكيل حكومة موحدة قادرة على تحقيق الاستقرار وتلبية تطلعات الشعب الليبي في الأمن والتنمية والحياة الكريمة.
وأوضح أن القاهرة استضافت مختلف الأطراف الليبية، وعملت على تقريب وجهات النظر بينها، وسعت إلى تهيئة المناخ المناسب للوصول إلى تسوية نهائية للأزمة الليبية، مؤكدًا أن مصر تتعامل بحياد كامل وتسعى فقط لتحقيق استقرار ليبيا ووحدتها.
وأشار إلى أن القيادة المصرية أطلقت صندوقًا لإعادة إعمار ليبيا، كما بدأت الشركات المصرية بالفعل تنفيذ مشروعات تنموية وإعمارية داخل الأراضي الليبية، مستفيدة من الخبرات المصرية الكبيرة في مجالات البنية التحتية والتنمية والإسكان والطاقة.
وقال إن الشعبين المصري والليبي جمعتهما بالأمس معركة مواجهة الاحتلال، وتجمعهما اليوم معركة البناء والتنمية ومواجهة الإرهاب، مؤكدًا تطلعه إلى مزيد من التكامل والتعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي بين البلدين بما يخدم مصالح الشعبين.
وأشاد بالدور الإقليمي والدولي الذي تقوم به مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدًا أن القاهرة استطاعت الحفاظ على مكانتها وقوتها ودورها المحوري رغم التحديات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، كما لعبت دور “الوسيط العاقل والحكيم” في تسوية النزاعات والأزمات الإقليمية.
وفي ختام كلمته، وجه المستشار عقيلة صالح التحية والتقدير للرئيس عبد الفتاح السيسي، وللشعب المصري، ولأعضاء مجلس النواب المصري، معربًا عن سعادته بزيارة القاهرة، ومؤكدًا أن العلاقات المصرية الليبية ستظل نموذجًا للأخوة والتعاون والتضامن العربي المشترك.

