يمثل واقع التنمية المستدامة في أودية جنوب سيناء، نموذجاً ملهماً للقدرة على تطويق التحديات البيئية وتحويلها إلى آفاق تنموية واعدة، حيث ينجح الفكر العلمي التطبيقي الشامل في إعادة صياغة إدارة الموارد المائية الشحيحة والتوزيع غير الموحد لهطول الأمطار، محولاً إياها من موجات جفاف ومسارات سيول فجائية إلى ركائز أساسية للاستقرار النمائي وطوق نجاة يدعم بقاء البدو في أرضهم.
وفي هذا الإطار، يقود معهد بحوث الموارد المائية التابع للمركز القومي لبحوث المياه استراتيجية تطبيقية رائدة تجسدت في مشروع "بناء مجتمعات قادرة على الصمود وزراعة مستدامة من خلال الإدارة المتكاملة للموارد المائية في جنوب سيناء"، والمندرج كجزء من برنامج PRIMA المدعوم من الاتحاد الأوروبي وضمن أنشطة منصة "WEFE4MED" الإقليمية، بهدف هندسة منشآت الحصاد وشحن الخزانات الجوفية وتوليد الطاقة النظيفة لإنتاج الغذاء، مُستهدفاً الانتقال بالمنظومة من النطاق التجريبي المحلي بمدينة وطور سيناء إلى التوسع المنهجي وصياغة السياسات الوطنية الشاملة لدعم استقرار التجمعات البدوية وصون الأمن القومي والغذائي ببعد إنساني يضع المواطن السيناوي في قلب عملية التنمية.
وفي هذا السياق التنموي المتكامل، اختصت الدكتورة حنان فرج، نائب مدير معهد بحوث الموارد المائية التابع للمركز القومي لبحوث المياه، وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) بطرح هذه الرؤية المستقبلية والمخطط الاستشرافي لمدينة وجبل الطور وباقي الأودية لحماية جنوب سيناء، مؤكدة أن النجاحات الميدانية السابقة لنهج الترابط ومخرجات مشروع WEFE4MED تسمح بالانتقال بالدولة المصرية من مرحلة النموذج التجريبي المحلي إلى عمق التوسع المنهجي الشامل واستنباط السياسات الوطنية الشاملة وتوسيع نطاقها عبر خمسة محاور مستقبلية مستحدثة تضع الإنسان في قلب مستهدفاتها.
وتستهل الدكتورة حنان فرج، ملامح هذا المخطط بـ المحور الأول، الذي يضع تعظيم الاستفادة من الموارد المائية وحصاد مياه الأمطار في مقدمة أولوياته؛ ففي ظل ندرة المياه التي تمثل التحدي الأكبر في جنوب سيناء، تتجه الأبحاث المستقبلية نحو تطوير نظم الإدارة المتكاملة للموارد المائية عبر توسيع دراسات رصد وتقييم كفاءة منشآت الحصاد والتي يعمل جزء كبير منها بوظيفة إضافية وهي الحماية من أخطار السيول في تغذية الخزانات الجوفية الضحلة، وتصميم وتنفيذ أنظمة رصد هيدرولوجية ذكية ومترابطة وقابلة للتشغيل البيني لقياس معدلات الاستهلاك المائي ومعدلات التغذية الجوفية بشكل فوري، مع تطوير آبار مراقبة إضافية بناءً على دراسات النمذجة الهيدروجيولوجية المستقبلية لضمان استدامة السحب الآمن في ضوء المتغيرات المنتشرة والمستحدثة مع تطوير منظومة الرصد والمراقبة.
ويستهدف هذا المحور إعداد مسودة استراتيجية وطنية وأدلة إرشادية معتمدة كمعايير وطنية لإنشاء منشآت حصاد مياه الأمطار والسيول منخفضة التكلفة والصديقة للبيئة على سبيل المثال البحيرات الجبلية، لتعميمها تشريعياً وتنفيذياً في كافة المناطق ذات الطبوغرافيا المشابهة كسلاسل جبال البحر الأحمر والساحل الشمالي؛ مما يسهم في تقليل الاعتماد المالي والبيئي على محطات التحلية المكلفة ذات الأثر البيئي السلبي، وتوفير مخزون مائي استراتيجي يحول السيول إلى مورد اقتصادي.
ويأتي المحور الثاني ليدفع بعجلة النظم الزراعية الذكية مناخياً ودعم الأمن الغذائي؛ حيث أثبتت التجارب الحقلية السابقة في المزرعة جدوى دمج التقنيات الحديثة في الزراعة.
وتتجه المرحلة القادمة نحو التوسع في دراسات التربة وتحليل ونمذجة كافة العوامل المؤثرة عليها ورصد بياناتها في ظل سيناريوهات ارتفاع درجات الحرارة لتأثيرها المباشر على الإنتاج الزراعي وتوفير الغذاء، مع التوسع في استخدام الصوب الزراعية البلاستيكية وتجربة أصناف جديدة من المحاصيل الاقتصادية والخضروات ذات القدرة العالية على تحمل الملوحة والجفاف، والتوسع في زراعة النباتات الطبية والعطرية ذات العائد الاقتصادي المرتفع مع دراسة سلاسل القيمة المضافة لها لدعم الاستثمار الأخضر الصغير والانتقال بالمنظومة المحلية من مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى مرحلة الإنتاج الاقتصادي القابل للتسويق دولياً بما يتماشى مع رؤية مصر 2030 لتقليل الفجوة الاستيرادية وضمان عوائد مالية مستدامة للمنتجين من أهالي الأودية، وتقديم نماذج زراعية قابلة للتطبيق وللتكرار ترفع إنتاجية المياه وتساهم في رفع تصنيف المؤسسات البحثية المصرية عبر نشر أبحاث علمية محكمة.
وفي هذا السياق، شددت الدكتورة حنان فرج، على أن المحور الثالث يخوض سباقاً حاسماً للتغلب على عقبات الطبيعة وتحديات الطاقة في المناطق المعزولة، حيث يسعى المعهد لدمج واستدامة تقنيات الطاقة المتجددة في قطاعي الزراعة والمياه كعامل تشغيلي واقتصادي بارز.
وأوضحت - في تصريحاتها للوكالة - أن المعهد يضع نصب عينيه التغلب على التحديات الحالية المتمثلة في التوسع في أنظمة الطاقة الشمسية وزيادة حجمها لتشغيل طلمبات رفع المياه بقدرات أكبر تناسب التوسعات الزراعية المخطط لها، ودراسة الجدوى الاقتصادية والفنية للأنظمة الهجينة القائمة على الطاقة الشمسية وتطبيقاتها في تقليل تكاليف التشغيل والصيانة طويلة الأجل للمجتمعات البدوية، بما يدعم الاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية عبر خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الاعتماد على مضخات الديزل في المناطق النائية، ويهيئ بيئة جاذبة للاستثمارات الخاصة وصناديق وتمويلات المناخ الدولية لتطبيق هذه التقنيات اللامركزية بنجاح وضمان تدفق المشروعات التنموية الموفرة لفرص العمل المستدامة.
ولا تغيب حماية البيئة عن المشهد, حيث يركز المحور الرابع على صون النظم البيئية الهشة وتعزيز القدرة على الصمود كضمانة أساسية لاستدامة التنمية في هذه المناطق؛ إذ يستهدف المعهد بالتعاون مع الجهات البحثية الأخرى وقطاعات الدولة المستفيدة رصد التغيرات في التنوع البيولوجي والغطاء النباتي الطبيعي (بما في ذلك النباتات الطبية البرية) كنتيجة لتحسن ظروف الرطوبة الأرضية حول منشآت الحصاد، وتطوير أدوات تقييم مبسطة وفعالة تعتمد على بيانات محدودة لكنها قوية ومتماسكة، وتجمع بين التحليل الهيدرولوجي وتقييم الهشاشة الاجتماعية والبيئية لتحديد المواقع المثلى للتدخلات المستقبلية دون الحاجة لبيانات ضخمة ومعقدة، مما يدعم الخطط الوطنية للتكيف المناخي، ويحسن التخطيط المكاني لاستخدامات الأراضي في المحافظة بما يدعم السياحة البيئية القائمة على سواعد أبناء سيناء ويحمى النظم البيئية الجبلية الهشة.
وتؤكد الدكتورة حنان فرج، أن المحور الخامس يمثل الركيزة الأساسية للأمن القومي ورسالة المشروع الإنسانية الأسمى والمتمثل في التمكين المجتمعي والشراكات المؤسسية، حيث لن يكتب النجاح لأي تقنية دون دمجها في النسيج الاجتماعي والمؤسسي المحلي.
ويركز المعهد على المخطط التنفيذي والتدخلات المجتمعية والتوعوية غير الهيكلية عبر تصميم برامج تدريبية متقدمة ومستمرة لتأهيل أهل سيناء والمزارعين والكوادر المحلية علمياً وعملياً على جدولة الري، استخدام الأسمدة المتقدمة كالأسمدة النانوية والحيوية، وإدارة الصوب الزراعية وصيانة المنشآت المائية، مما يحول المواطن البدوي من مجرد مستفيد سلبي من الخدمة إلى شريك مؤسسي أصيل يحمي ويدير موارده بنفسه، وإضفاء الطابع المؤسسي على دور التجمعات البدوية في مدينة وجبل الطور في اختيار المواقع للمشروعات وإدارتها لضمان استدامة البنية التحتية والموارد، وهو الفكر الاستشرافي القائم على بناء القدرات البشرية الذي يمثل طوق النجاة الحقيقي لضمان توفير فرص عمل مستقرة تدعم توطين البدو في أراضيهم وتحد من النزوح المستمر والنزاع على الموارد، مما يمثل ركيزة صلبة للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي في كافة المحافظات الحدودية للدولة المصرية، ويعزز الشراكات المؤسسية المتكاملة بين الجهات البحثية مما يخلق منصة حوكمة فعالة لإدارة الموارد.
عبقرية المكان وتلاحم العلم مع معارف القبيلة
وتنطلق الرؤية الفنية والبحثية للدكتورة حنان فرج، لإيضاح تفاصيل المنظومة القائمة حالياً على أرض الواقع، حيث ترى أن خطة عمل المشروع بدأت من نقطة التلاقي بين البحث العلمي والتكيف الثقافي وسط الطبيعة القبلية لجنوب سيناء، إيماناً بأن الهندسة التي تُفرض من فوق المكاتب محكوم عليها بالفشل ما لم تتكامل مع العقل البدوي الذي يعيش تفاصيل الصحراء يومياً ويحفظ تضاريسها.
وتؤكد أن الفريق البحثي للمعهد عقد عشرات الاجتماعات الميدانية وجلسات الاستماع المفتوحة مع شيوخ وعواقل القبائل المحلية لاستعراض معارفهم التاريخية المتوارثة لمسارات السيول وحركة الغيوم فوق القمم الجبلية الشاهقة، وبناءً على هذه اللقاءات والخرائط الوجدانية التي رسمها الأهالي، اقترح المجتمع المحلي مئة موقع مستهدف لإنشاء منشآت الحصاد، لتتحول هذه الرغبات التشاركية إلى أساس هندسي أخضعه المعهد لثلاث دراسات علمية متكاملة ومستفيضة لضمان دقتها التشغيلية على أرض الواقع.
وتستعرض نائب مدير معهد بحوث الموارد المائية الأبعاد العلمية الثلاثة للمشروع، مشيرة إلى أن المسار الأول تمثل في الدراسة الطبوغرافية التي حللت نموذج الارتفاعات الرقمية لحوض وادي فيران، لتكشف عن تباين حاد وعنيف في مناسيب سطح الأرض يتراوح من 2600 متر فوق مستوى سطح البحر عند القمم الجبلية لسانت كاترين ويهبط بعنف ليتصل بأقل من 100 متر فقط عند مخرج الوادي بالقرب من خليج السويس، وهو الانحدار الرأسي الشديد الذي يتسبب في تدفقات سيلية ذات سرعات فائقة وطاقة تدميرية هائلة تم تحديد وديانها النشطة بدقة عبر المسح الميداني لوضع المصدات والبحيرات المناسبة لحماية بيوت ومزارع الأهالي.
وتضيف الدكتورة حنان فرج أن الطبوغرافيا تلاحمت مع مسار ثانٍ ركيزته دراسة جيولوجية ومعملية مكثفة للتربة والأحجار لتحديد طبيعة نفاذية الأرض وقدرتها على شحن الخزانات الجوفية، حيث رصدت خريطة التكوينات الصخرية سيادة رواسب الوديان من العصر الرباعي ذات المسامية العالية جداً التي تسمح للماء بالتسرب السريع إلى الأسفل، وطبقات الحجر الرملي المنفذة الحاملة للمياه الجوفية، وطبقات الحجر الجيري، بينما شكلت صخور القاعدة النارية والمتحولة غير المنفذة بمثابة الحوائط الطبيعية التي توجه مسارات السيول وتمنع تسربها لأعماق سحيقة غير مستهدفة لتبقى قريبة من استخدامات التجمعات المحلية، وتكامل ذلك كله مع مسار ثالث يعتمد على دراسة الأرصاد الجوية وتحليل البيانات التاريخية لمحطات قياس الأمطار المؤثرة على حوض تصريف وادي فيران في أبو رديس والطور وسانت كاترين لمواجهة ظاهرة التوزيع غير الموحد لهطول الأمطار وتصميم بنية تحتية مستدامة تنقذ الأرض والإنسان حيث لا توجد مياه سطحية طبيعية في المنطقة.
وتشير الرؤية التحليلية للدكتورة حنان فرج إلى أن هذه المنظومة التشاركية تُرجمت فعلياً إلى شبكة بنية تحتية شملت إنشاء 243 بحيرة جبلية في مستجمعات المياه المحيطة بمدينة سانت كاترين ووادي فيران والطور، محققة إجمالي تخزين سنوي يقدر بحوالي 500 ألف متر مكعب من مياه الأمطار والسيول الخاطفة، مؤكدة أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تقف عند الحجز السطحي للمياه، بل تكمن في تطبيق مفهوم التكامل بين المياه السطحية والمياه الجوفية لضمان الاستدامة من خلال آلية إعادة الشحن الطبيعي والموجه للطبقات الجوفية الضحلة، إذ يتسرب الماء إلى باطن الأرض بناءً على خصائص التربة وسمك المنطقة غير المشبعة والخصائص الهيدروليكية للطبقة الحاملة لضمان استدامة المياه وتجنب فقدانها بالبخر السطحي الشديد ونقص المياه الجوفية، مما أحدث ثلاثة تأثيرات استراتيجية رُصدت ميدانياً تمثلت في أثر اقتصادي قلل من كاهل الإنفاق للأسر البدوية عبر تقليل نقل المياه بالصهاريج ومحطات التحلية المكلفة ذات الأثر البيئي السلبي، وأثر اجتماعي حقق استقرار المجتمعات المحلية واستدامة سياسة التوطين والاستيطان للبدو من خلال تطوير الأنشطة الرعوية، وأثر بيئي حد من مخاطر الفيضانات الفجائية الكارثية والحد من الأثر البيئي لمحطات التحلية.
وتستند الدكتورة حنان فرج، في مخرجات المعهد العلمية والإنسانية إلى دراسة حالة تاريخية وُثقت بدقة في وادي قديرة، وهو أحد أبرز أفرع وادي وتير، موضحة أن القطاعات الجيوكهربائية العرضية أظهرت أن الجزء العلوي يتكون من رواسب رباعية وحصوية عالية المسامية بينما يتكون الجزء السفلي من طبقة ذات سمك متوسط تمثل المنطقة الرئيسية الحاملة للمياه والتي يمكن استغلالها بحفر آبار ضحلة بأعماق تتراوح بين 25 إلى 50 متراً فقط لتسهيل رفعها واستغلالها من قبل الأهالي موسمياً وتجميع مياه الأمطار.
وخلال عاصفة أكتوبر 2012 التاريخية، تجلت كفاءة التصميم الهندسي للمعهد حيث رصدت البيانات الحقلية وصول عمق المياه داخل البحيرة الصناعية إلى 60 سنتيمتراً واحتجزت البحيرة بنجاح 0.6 مليون متر مكعب من مياه السيل الجارف.
وكانت نتيجتها رصد ارتفاع فوري لمنسوب المياه داخل الآبار الجوفية الضحلة بمقدار 90 سنتيمتراً دفعة واحدة حيث تغير عمق المياه في الآبار من 17.05 م إلى 17.95 م، وجرى معايرة هذه النتائج علمياً عبر استخدام النموذج الرياضي العالمي MODFLOW لمحاكاة خصائص طبقة المياه الجوفية ومقارنة المناسيب المقاسة ميدانياً بنتائج النموذج لتقدير كميات التغذية بدقة متناهية، وبناءً على هذه المؤشرات يضع المعهد ثلاث توصيات تشغيلية ومجتمعية حتمية تتضمن ضرورة إجراء الصيانة الدورية الفورية وإزالة الإطماءات والرواسب من البحيرات الصناعية فوراً بعد كل سيل لزيادة معدلات التسرب وللحفاظ على مسام التربة مفتوحة، وتفعيل برنامج رصد وتقييم منتظم ومستمر لمناسيب الآبار لحمايتها من السحب الجائر والتملح الذي يهدد مزارع الأهالي، والتوسع في تقنيات التغذية الصناعية الموجهة لإعادة شحن الطبقة الجوفية العميقة مباشرة من مياه الفيضان المتجمعة في البحيرة الصناعية تجنباً لفقدان المياه بالبخر السطحي وضياع جهود الحصاد والتحكم في شدة السيول.
وتتطابق هذه النتائج الميدانية مع ما تؤكده الدراسات الهيدرولوجية وأبحاث إدارة المياه بالمناطق الجافة، من أن نجاح تجربة الشحن الجوفي الموجه في أودية جنوب سيناء يمثل نموذجاً علمياً يحتذى به، موضحة أن التحدي الأكبر الذي يواجه الخزانات الجوفية الضحلة في الأودية الجبلية هو الفقد السريع للمياه عبر البخر السطحي الشديد أو التسرب غير المحكوم. وتشير تلك الدراسات الموازية إلى أن التوسع في تصميم بحيرات جبلية منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة، مع الالتزام بالصيانة الدورية لإزالة الطمي، يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على نفاذية التربة واستدامة المخزون المائي النقي لصالح التجمعات المحلية، مما يمهد الطريق لصياغة أطلس وطني موحد لإدارة السيول في كافة المناطق ذات الطبوغرافيا المشابهة.
واقع نهج الترابط (WEFE) والتمكين الاقتصادي في الطور
وتنتقل الدكتورة حنان فرج، برؤيتها الاستراتيجية إلى محطة الأبحاث التجريبية بمدينة الطور عند جبل الحور؛ لتؤكد أن نهج الترابط تجسد كواقع تطبيقي ملموس ينبض بالنماء والتمكين الاقتصادي للأسر البدوية، حيث دُمجت الألواح الشمسية المتجددة لتشغيل مضخات رفع المياه الجوفية الضحلة والمحصودة.
ورغم التحديات التقنية المرصودة ميدانياً كالكلفة العالية في التنفيذ والصيانة وسعات البطاريات الصغيرة التي قد تضطر الأهالي أحياناً للاستعانة بالديزل والوقود الأحفوري كمصدر تكميلي، إلا أن الاعتماد على الطاقة النظيفة خفض تكاليف الإنتاج الزراعي المتكررة على كاهل المزارعين المحليين بشكل ملموس، وجرى توجيه هذه المياه والطاقة صوب زراعة حديثة موفرة للمياه شملت صوباً بلاستيكية متطورة (بمساحة 30 × 9 أمتار تقريباً لكل منها) لإنتاج الخضراوات كالفلفل الأخضر والباذنجان والخيار والطماطم، وحقولاً مفتوحة للنباتات الطبية والعطرية كالنعناع وإكليل الجبل ذات العائد الاقتصادي المرتفع والمناسب للطبيعة التسويقية للبدو، مما فتح لأبنائهم أبواباً جديدة لرفع مستوى المعيشة تحقيقاً للاكتفاء الذاتي.
وتستعرض نائب مدير المعهد القفزة الإنتاجية الاستثنائية للمحاصيل الاستراتيجية في قلب الصحراء القاحلة والتي تلامس عصب الأمن الغذائي للأسر، موضحة أن التجارب الحقلية الدقيقة لزراعة القمح على مساحة 2400 متر مربع مقسمة إلى 24 قطعة أرض في منطقة الطور أثبتت أن الجمع بين الري الحديث بالتنقيط واستخدام الأسمدة النانوية والحيوية المتقدمة أحدث طفرة استثنائية تجاوزت كل التوقعات، إذ زاد محصول حبوب القمح بأكثر من 100% والمحصول البيولوجي بأكثر من 70% مقارنة بالأسمدة التقليدية، كما ارتفعت كفاءة وإنتاجية المياه لتصل إلى ما بين 2.1 إلى 2.6 كجم/م٣ للكتلة الحيوية وحوالي 0.9 كجم/م٣ للحبوب، مما يقدم حلاً علمياً وإنسانياً جاهزاً ومصمماً بالكامل لمواجهة فجوة الأمن الغذائي وتوفير السلع الاستراتيجية محلياً في الأراضي القاحلة دون أعباء استيرادية.
المقومات الجيولوجية والأمن المائي.. من التخطيط القطاعي إلى المنظومة المستدامة
ولتوسيع آفاق المشهد الاستثماري والتقني، تتقاطع هذه الدراسات الأكاديمية والمخرجات البحثية لمعهد بحوث الموارد المائية مباشرة مع الحلول الميدانية والمنظومة التنفيذية لإدارة الطاقة والمياه، حيث تبرز محددات جغرافية واقتصادية جديدة يطرحها الخبراء كركيزة أساسية لتطبيق فكر الاستدامة بما يتوافق مع طبيعة التضاريس.
وفي هذا الإطار، يشير المهندس حاتم الرومي، رئيس لجنة الطاقة بجمعية مجلس علماء مصر، والنائب الأول لشعبة الطاقة المستدامة، وخبير مشروعات الطاقة الكبرى، إلى أن إدارة المياه في جنوب سيناء تتطلب رؤية استراتيجية خاصة تأخذ في الحسبان طبيعة جغرافية المكان وتختلف عن شمال سيناء؛ فالطبيعة الجغرافية لجنوب سيناء يغلب عليها الطابع الجبلي الوعر بعكس السهول المستوية الواسعة في الشمال، وهو ما يجعل مستقبل الزراعة الكثيفة والموسعة متميزاً للغاية في الشمال الذي ينتج حالياً أفضل أنواع الزيتون عالمياً ونباتات أخرى، في حين تفرض طبيعة الجنوب التركيز على المساحات المستوية القليلة والمحدودة جغرافياً وتحقيق نمط من الاكتفاء الذاتي المحلي، لإنتاج الخضراوات والفاكهة بدلاً من نقلها وتكبد تكاليف شحن باهظة ترفع من كاهل الإنفاق، بالإضافة إلى استغلال الميزة التنافسية الفريدة لجبل سانت كاترين الذي يضم أكثر من عشرة نباتات طبية وعطرية نادرة لا تنبت في أي مكان آخر في العالم وتتمتع بجدوى اقتصادية وعائد استثماري مرتفع للغاية.
ويوضح المهندس حاتم الرومي، أن فكرة زراعة المدرجات الجبلية المعمول بها في بعض الدول لا تصلح لجنوب سيناء لكونها منطقة غير مطيرة بالأساس، ولا يمكن للمحاصيل النيلية والتقليدية المستهلكة للمياه أن تتحمل هذه البيئة القاسية، كما لا يمكن هندسياً أو اقتصادياً ضخ المياه الجوفية من الأسفل إلى قمم الجبال، ومن ثم يصبح الحل الأمثل والبديل العملي هو تتبع مجاري مياه الأمطار الساقطة والمنحدرة من أعالي الجبال وتخزينها في بحيرات قريبة من المساحات الزراعية المستوية مع عزل هذه البحيرات تماماً لمنع تسرب المياه وضمان الحفاظ عليها، كبديل استراتيجي لتقنية تحلية مياه البحر التي تتسم بتكلفتها الرأسمالية والتشغيلية المرتفع للغاية.
ويرى الرومي أن الطابع البيئي النقي لجنوب سيناء، وارتفاع نسب الأكسجين وانخفاض مستويات الانبعاثات الكربونية بها يجعلها منطقة سياحية فريدة تؤمها الوفود صيفاً وشتاءً، وهو ما يفتح آفاقاً تنفيدية لتطبيق نموذج مبتكر لترابط الطاقة والمياه والغذاء داخل المنشآت السياحية والفنادق، لاسيما في مدن عالمية كبرى مثل شرم الشيخ، بحيث تتبنى الفنادق والقرى السياحية منظومة ذاتية لإنتاج طاقتها عبر الخلايا الشمسية المعمول بها حالياً، مع دمج تقنيات تحلية مياه البحر شريطة معالجة المياه المالحة الناتجة عن التحلية بشكل آمن وإبعادها عن البحر تماماً لحماية التنوع البيولوجي البحري من التلوث، وتوظيف تلك المياه العذبة المنتجة في تشغيل أحواض زراعية متطورة بتقنية الزراعة المائية لإنتاج أغذية ونباتات عضوية نقية تخدم زوارها وتغذي المنطقة محلياً، مما يقدم تجربة عالمية رائدة تحقق المفهوم الأسمى لترابط المياه والغذاء والطاقة في بقعة من أنقى أجواء العالم.
نبض الصحراء: أهالي أودية الطور يروون قصة التحول
لا تقاس عظمة مشروع التنمية المتكامل ببناء البنية التحتية والمكعبات الخرسانية أو النماذج الرياضية فحسب، بل تظهر قيمتها الحقيقية في عيون أهالي التجمعات البدوية الذين تبدلت تفاصيل حياتهم اليومية من مشقة البحث عن قطرة الماء إلى الاستقرار والنماء؛ فبينما كان تأمين مياه الشرب والري يمثل هماً يومياً يثقل كاهل الأسر ويجبر بعضهم على النزوح، أصبحت أودية جبل الطور وسانت كاترين ووادي فيران تنبض بحياة جديدة صُنعت بسواعد أبنائها.
وفي هذا السياق، يعبر أحد عواقل بدو وادي فيران، بنبرة تملؤها الفخر والرضا عن هذا التحول قائلاً: "السيول في الماضي كانت تأتي كالمارد، تأخذ معها بيوتنا وزرعنا وتتركنا في جفاف. اليوم، وبفضل الله ثم علم المعهد، أصبحت البحيرات الجبلية تحجز هذا المارد وتهدئه ليتحول إلى خير يغذي آبارنا، لأول مرة نشعر أن المياه أصبحت ملكنا، وأن مزارعنا الصغيرة آمنة، وأبناؤنا لم يعودوا بحاجة للرحيل بحثاً عن لقمة العيش؛ لقد زرعنا أرضنا واستقررنا في ديارنا".
ولم يقتصر الأثر الإنساني على تأمين المياه، بل امتد ليزرع الأمل في نفوس الشباب والنساء داخل التجمعات البدوية بفضل الصوب الزراعية الحديثة وإنتاج النباتات العطرية والقمح، حيث يروي عواد، أحد الشباب المشاركين في إدارة المنظومة بالطور، كيف غير المشروع مسار حياته قائلاً: "لم نكن نتخيل يوماً أن شمس الصحراء الحارقة التي كنا نختبئ منها، ستصبح هي نفسها القوة التي ترفع لنا المياه من باطن الأرض لتخضرّ بها الصوب ، تدربنا على أيدي باحثي المعهد، وتعلمنا كيف ندير شبكات الري الحديثة ونحافظ على كل قطرة ماء، هذا المشروع لم يمنحنا فرصة عمل فقط، بل منحنا المعرفة والثقة بأننا قادرون على إدارة مستقبلنا وصناعة غذائنا بأيدينا في قلب أرضنا سيناء".
المظلة الإقليمية والتمويل الدولي: شراكة مرنة من أجل الصمود المائي والمناخي
خلف هذه القفزات الميدانية والقصص الإنسانية المؤثرة في أودية سيناء، يتحرك مسار استراتيجي آخر يمنح تلك الحلول المحلية أبعاداً إقليمية وتمويلية مستدامة؛ حيث يبرز نهج ترابط (WEFE Nexus) كأحد الحلول المبتكرة المدرجة ضمن بنك الممارسات الناجحة لمنصة WEFE4MED الإقليمية، التي تجمع وتوثق نماذج صمود النظم البيئية في حوض البحر الأبيض المتوسط لتبادل الخبرات وتعميق الفكر التطبيقي الأخضر، ولا تنعزل هذه المبادرات العلمية عن الشراكة التاريخية الممتدة بين مصر والاتحاد الأوروبي في قطاع المياه، والتي تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الاستدامة والمرونة المناخية في مواجهة الشح المائي.
وتكشف لغة الأرقام الرسمية عن عمق الدعم الأوروبي لسياسات التنمية المائية المستدامة في مصر؛ إذ قدم الاتحاد الأوروبي منذ عام 2007 منحاً مباشرة تجاوزت قيمتها 600 مليون يورو، نجحت في تحفيز وتعبئة حزم تمويلية أوسع بالشراكة مع مؤسسات التمويل الدولية وشركاء التنمية الأوروبيين لتصل إلى نحو 3.5 مليار يورو، تتدفق تحت لواء مبادرة "فريق أوروبا للأمن المائي والغذائي في مصر".
وتتوزع هذه الاستثمارات الضخمة لتغطي مشروعات حيوية تبدأ من تأمين مياه الشرب والرفع التكنولوجي لكفاءة الصرف الصحي والزراعي، وصولاً إلى دعم التخطيط القطاعي المتكامل عبر آلية "التمويل المدمج" التي تمزج بين المنح الأوروبية، والقروض الميسرة من بنوك التنمية، والمساهمات الوطنية من الموازنة العامة للدولة، مما يضمن تعظيم الأثر التنموي الفعلي للمشروعات على الأرض.
ويتطابق هذا التوجه التمويلي الدولي مع الفلسفة الاستراتيجية للمنصة الوطنية للمشروعات الخضراء برنامج "نُوَفِّي" (NWFE) – محور الارتباط بين طاقة المياه والغذاء – التي أطلقتها الدولة المصرية خلال مؤتمر المناخ في شرم الشيخ، لتشكل جسراً لإنفاذ تمويلات المناخ الدولية نحو عمق المجتمعات المحلية والحدودية، وبالنظر إلى مسار العلاقات الاستراتيجية والشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي، يتسع الأفق لتعميق هذا التعاون عبر ربط البحث العلمي بالتطبيقات اللامركزية الموفرة للطاقة؛ تطلعاً لتوسيع حلول إعادة استخدام المياه ومعالجتها الذكية، وجذب الاستثمارات الخاصة لبناء جدار صمود مائي واقتصادي صلب، يرتكز على تلاحم الابتكار المؤسسي، وتوطين التكنولوجيا، والتمكين البشري وبناء معايير وأدلة إرشادية وطنية جديدة وعروض ممارسات مماثلة في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط يعيد صياغة أمن مصر المائي والغذائي من قلب صحراء سيناء.