تواصلت، لليوم الثالث، من رحاب الجامع الأزهر، فعاليات الاحتفال بالعام الهجري الجديد 1448هـ، ضمن سلسلة البرامج الدعوية والثقافية التي ينظمها الجامع الأزهر بالتعاون مع إذاعة القرآن الكريم، وتستمر على مدار أسبوع كامل؛ إحياء لذكرى الهجرة النبوية الشريفة، وبمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف.
لا هجرة بعد الفتح
وخلال كلمته أكد الدكتور محمد صلاح، أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو اللجنة الرئيسة للفتوى بالأزهر الشريف، أن الهجرة النبوية لم تكن حدثا تاريخيا انتهى بانتهاء زمانه، وإنما بقيت معانيها ودروسها ممتدة في حياة المسلمين إلى قيام الساعة، والنبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك بقوله: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية"، كما وسع مفهوم الهجرة لتشمل هجرة الذنوب والمعاصي والباطل، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
الهجرة الحقيقية
وأكد أن الهجرة الحقيقية التي يحتاجها المسلم في كل عصر هي الانتقال من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن اتباع الهوى إلى الالتزام بمنهج الله، وهذا المعنى هو الذي يجعل الهجرة مدرسة تربوية متجددة تستلهم منها الأجيال قيم الإصلاح والتغيير وبناء النفس.
رحلة الهجرة النبوية
وأضاف أن رحلة الهجرة النبوية كانت مليئة بالآيات والعبر والدلالات على رعاية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقد خرج من بيته وقريش تحاصر داره وتحيط به من كل جانب، ومع ذلك حفظه الله وأعمى أبصار أعدائه عنه، كما تجلت معاني العناية الإلهية في مواقف عديدة خلال الطريق إلى المدينة، ومن أبرزها قصة سراقة بن مالك الذي خرج طمعا في الجائزة التي رصدتها قريش لمن يمسك النبي وصاحبه، فتحول من مطارد إلى معترف بعظمة الرسالة بعد أن رأى من دلائل الحفظ والتأييد ما جعله يوقن أن الله ناصر نبيه، وهذه المواقف تؤكد أن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل على الله، وأن المؤمن يجمع بين حسن التخطيط والثقة الكاملة في معية الله ونصره.
أهم الدروس المستفادة من الهجرة
وأشار الدكتور محمد صلاح إلى أن من أهم الدروس المستفادة من الهجرة أثر البيئة الصالحة والصحبة الطيبة في صناعة النجاح والثبات على المبادئ، وهو ما نلاحظه من قصة أصحاب الكهف الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، كما أن الابتعاد عن البيئات الفاسدة كان سببا في حفظ إيمانهم وثباتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم أحسن اختيار رفيق الهجرة، فكان الصديق أبو بكر رضي الله عنه خير صاحب وخير معين، كما برزت مواقف عظيمة لعدد من الصحابة وأهل بيت الصديق، وفي مقدمتهم السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها التي قامت بدور مهم في خدمة رحلة الهجرة وتأمين احتياجاتها وهذه النماذج تبرز قيمة الرفقة الصالحة في حياة الإنسان، وهو ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تُصَاحِبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي"، لأن اختيار الصحبة من أهم أسباب النجاح والاستقامة وحسن الخاتمة

