تمر علينا في كل عام ذكرى الثلاثين من يونيو، ليس باعتبارها مجرد مناسبة سياسية أو حدثًا عابرًا في تاريخ الدولة المصرية، وإنما باعتبارها واحدة من اللحظات الفارقة التي أعادت رسم ملامح الوطن، ورسخت مفهوم الإرادة الشعبية كونها القوة الحقيقية القادرة على حماية الدولة والحفاظ على هويتها.
لقد أثبتت ثورة 30 يونيو أن الشعوب عندما تشعر بأن مستقبلها بات مهددًا، وأن هويتها الوطنية أصبحت على المحك، فإنها تمتلك القدرة على تصحيح المسار مهما بلغت التحديات. فلم تكن هذه الثورة وليدة لحظة غضب، بل جاءت نتيجة تراكمات عاشها المصريون خلال عام كامل، شعروا خلاله بأن الدولة المصرية، بتاريخها ومؤسساتها وثقافتها، تواجه اختبارًا مصيريًا.
كانت مصر في تلك المرحلة تعيش حالة من الانقسام السياسي والاستقطاب المجتمعي غير المسبوق، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والأمن والاستقرار. شعر المواطن البسيط بأن أحلامه التي راودته بعد سنوات طويلة من التطلع إلى مستقبل أفضل بدأت تتبدد، وأن الوطن يسير في اتجاه لا يعبر عن هوية الدولة المصرية التي قامت عبر آلاف السنين على الاعتدال والتنوع والتسامح.
وفي الثلاثين من يونيو خرج ملايين المصريين إلى الميادين والشوارع في مختلف المحافظات، في مشهد جسد معنى الانتماء الحقيقي للوطن. لم يكن المشهد مقتصرًا على فئة عمرية أو طبقة اجتماعية بعينها، بل شارك فيه الشباب وكبار السن، الرجال والنساء، المسلمون والمسيحيون، أبناء الريف والحضر، جنباً إلى جنب تجمعهم راية واحدة هي راية مصر.
لقد كانت الرسالة واضحة؛ وهي أن الشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة، وأن الدولة الوطنية ليست محل مساومة أو تجربة. فالوطن بالنسبة للمصريين ليس مجرد حدود جغرافية، وإنما تاريخ وحضارة وهوية ومسؤولية مشتركة.
ومن أهم الدروس التي أكدت عليها ثورة 30 يونيو أن الحفاظ على الدولة يمثل أولوية قصوى، لأن غياب مؤسسات الدولة يعني الفوضى، وضياع الأمن، وتراجع فرص التنمية. وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن انهيار الدولة قد يستغرق سنوات طويلة لإعادة بنائها، وربما لا تعود كما كانت أبدًا.
ولعل ما ميز تلك المرحلة أيضًا هو اصطفاف مؤسسات الدولة الوطنية إلى جانب الإرادة الشعبية، بما أسهم في حماية البلاد من الدخول في دوامة من الصراعات والعنف كان من الممكن أن تكون نتائجها بالغة الخطورة. وقد ساهم هذا التكاتف بين الشعب ومؤسسات الدولة في الحفاظ على وحدة الوطن، وتهيئة الطريق أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء الجمهورية المصرية على أسس أكثر استقرارًا.
ومنذ ذلك الوقت بدأت مصر رحلة طويلة من العمل والبناء، وهي رحلة لم تكن سهلة، بل تطلبت الكثير من الصبر والتضحيات. فقد واجهت الدولة تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة، إلى جانب الحرب ضد الإرهاب الذي استهدف زعزعة استقرار البلاد وإعاقة جهود التنمية. إلا أن إرادة المصريين كانت أقوى من تلك التحديات، واستطاعت الدولة أن تمضي قدمًا في تنفيذ مشروعات قومية ضخمة شملت مختلف القطاعات، من تطوير البنية التحتية وشبكات الطرق، إلى إنشاء المدن الجديدة، وتوسيع شبكات الكهرباء، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم برامج الحماية الاجتماعية.
ولم تقتصر نتائج هذه المرحلة على المشروعات العمرانية فقط، بل امتدت إلى إعادة ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة التي تعتمد على التخطيط طويل المدى، وتسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة، ورفع جودة حياة المواطن، باعتباره الهدف الرئيسي لأي عملية تنموية.
كما شهدت السنوات التالية اهتمامًا متزايدًا بملف تمكين المرأة والشباب، باعتبارهما شريكين أساسيين في صناعة المستقبل. فقد توسعت فرص مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، وارتفعت نسبة تمثيلها في البرلمان والسلطة التنفيذية، إلى جانب إطلاق العديد من المبادرات التي تستهدف دعم الأسرة المصرية، وحماية المرأة، وتعزيز مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، حظي الشباب بفرص أوسع للمشاركة في الحياة العامة، من خلال برامج التأهيل والتدريب، وإشراكهم في العديد من المشروعات والمبادرات الوطنية.
وعلى المستوى الدولي، استعادت مصر تدريجيًا مكانتها الإقليمية والدولية، وعادت لتؤدي دورًا محوريًا في العديد من القضايا الإقليمية، مستندة إلى سياسة خارجية تقوم على حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف دول العالم.
وبعيدًا عن الحسابات السياسية، فإن القيمة الحقيقية لثورة 30 يونيو تكمن في أنها أعادت التأكيد على أن الوطن أكبر من أي جماعة، وأكبر من أي خلاف، وأن الحفاظ على الدولة مسؤولية جماعية لا تقتصر على الحكومة أو المؤسسات، بل تبدأ من وعي المواطن نفسه.
واليوم، وبعد مرور أعوام على هذه الثورة، ربما تختلف الآراء حول بعض الملفات أو السياسات، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع حي، لكن يبقى الاتفاق قائمًا على أهمية الحفاظ على استقرار الدولة، واستمرار مسيرة البناء، لأن التنمية لا تزدهر إلا في بيئة يسودها الأمن والاستقرار.
إن ذكرى 30 يونيو ليست مناسبة للاحتفال فقط، بل فرصة للتأمل في الدروس التي قدمها التاريخ، وفي مقدمتها أن قوة مصر كانت وستظل في وحدة شعبها، وفي قدرتها على تجاوز الأزمات، وفي إيمان أبنائها بأن هذا الوطن يستحق دائمًا أن نبذل من أجله الجهد والعمل والإخلاص.
وإذا كانت الثورات تُقاس بما تحققه من تغيير، فإن أعظم ما حققته ثورة 30 يونيو هو أنها أعادت للمصريين ثقتهم في قدرتهم على حماية وطنهم عندما تقتضي الضرورة، ورسخت حقيقة ستظل باقية في الوجدان الوطني، وهي أن مصر، مهما اشتدت عليها التحديات، تمتلك شعبًا يعرف قيمة دولته، ويؤمن بأن الحفاظ عليها هو الطريق إلى المستقبل، وأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة والعمل والوعي والانتماء.