قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

خبراء: المتغيرات الجيوسياسية تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.. ومصر أمام فرصة لتعزيز تنافسيتها إذا تسارعت الإصلاحات الهيكلية

جانب من الندوة
جانب من الندوة

عقد المركز المصري للدراسات الاقتصادية، بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي، اليوم الاثنين، ندوة موسعة بعنوان: "قراءة فى التأثيرات الاقتصادية لتداعيات الحرب فى الشرق الأوسط"، بمشاركة الدكتور أحمد جلال وزير المالية الأسبق، وميغيل إدواردو سانشيز مارتن كبير الاقتصاديين المعني بملف مصر وجيبوتي واليمن بمجموعة البنك الدولي، وسعد صبرة مدير مكتب مؤسسة التمويل الدولية (IFC) في مصر، وأدارت الندوة الدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز.

وأكد المشاركون أن العالم يشهد تحولا في طبيعة المخاطر الاقتصادية، حيث أصبحت الصدمات الجيوسياسية جزءا من الواقع الاقتصادي العالمي، بما يفرض على الدول بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على التكيف، مع الاستفادة من الفرص التي تخلقها التحولات الجارية.

ميغيل إدواردو، أكد أن تأثيرات الصراع الحالي تتركز بصورة أكبر على اقتصادات الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط، في حين تمتد آثار التضخم وارتفاع الأسعار إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

وأشار إلى أن مصر دخلت الأزمة الحالية وهي في وضع اقتصادي أفضل مقارنة بالفترات السابقة، مدعومة بإصلاحات سعر الصرف، والانضباط المالي، وتحسينات بيئة الأعمال، وهو ما انعكس في تسارع النمو الاقتصادي إلى 5.3% خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بمتوسط 2.4% خلال عام 2024.

وأضاف أن الاقتصاد المصري شهد تحسنا في مؤشرات سوق العمل، ونموا في الصادرات غير البترولية والسياحة، وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنحو 30%، فضلا عن تحسن أداء المالية العامة نتيجة إصلاحات الإدارة الضريبية.

وأوضح أن مصر تعرضت في بداية الأزمة لتدفقات خارجة من استثمارات المحافظ بلغت 9.2 مليار دولار، وانخفضت القيمة السوقية للبورصة بنحو 12% قبل أن تستعيد جانبا كبيرا من خسائرها، مشيرا إلى أن مرونة سعر الصرف ساهمت في امتصاص الصدمة دون استنزاف الاحتياطيات الدولية، بخلاف ما حدث في أزمات سابقة.

وأضاف أن مؤشرات المخاطر السيادية بدأت في التحسن تدريجيا مع تراجع حدة التوترات، بينما أظهر قطاع السياحة قدرة على الصمود، محققا نموا في الإيرادات بنحو 15% خلال الربع الأول، رغم اضطرابات حركة الطيران.

وفيما يتعلق بالتضخم، أشار إلى أن ارتفاعه الأخير جاء مدفوعا بصورة رئيسية بزيادة أسعار الطاقة والمرافق، محذرا من ضرورة متابعة تطورات تضخم الغذاء وتأثيره على مستويات الفقر والقوة الشرائية، مؤكدا أن خلق فرص العمل وتعزيز دور القطاع الخاص يمثلان المسار الأكثر استدامة للحد من الفقر.

من جانبه، أكد سعد صبرة أن ما تشهده المنطقة لا يمثل مجرد أزمة اقتصادية مؤقتة، وإنما اختبارا هيكليا للاقتصادات في ظل واقع عالمي جديد أصبحت فيه الجغرافيا السياسية عنصرا رئيسيا في قرارات الاستثمار.

وأوضح أن مصر تمتلك فرصة مهمة لتحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو تعزيز تنافسيتها، مستفيدة من موقعها الجغرافي واستقرارها النسبي مقارنة بدول المنطقة، مشيرا إلى أن مؤسسة التمويل الدولية تضخ أكثر من مليار دولار سنويا في مشروعات داخل مصر، مع استمرار اهتمام المستثمرين بقطاعات الصناعة والخدمات.

وأكد صبرة أن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع الإصلاحات الهيكلية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز تكافؤ الفرص، بما يسمح بتعبئة المزيد من الاستثمارات الخاصة، سواء المحلية أو الأجنبية، مشددا على أن دور الدولة ينبغي أن يركز بصورة أكبر على التنظيم وتهيئة بيئة الأعمال، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وأضاف أن التحولات الجيوسياسية الحالية تفرض على مصر الإسراع بتنويع مصادر الطاقة، واستكمال إصلاحات قطاع الكهرباء، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتوسيع فرص الحصول على التمويل، باعتبارها عناصر أساسية لرفع تنافسية الاقتصاد.

من جانبه أكد الدكتور أحمد جلال، أن العالم دخل مرحلة أصبحت فيها الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية هي "الوضع الطبيعي الجديد"، وهو ما يفرض على الدول الاستعداد المسبق للأزمات بدلا من الاكتفاء بإدارة تداعياتها بعد وقوعها.

وأوضح أن تقييم أداء الاقتصاد المصري يضعه في "المنطقة الرمادية"، حيث نجحت الحكومة في التعامل مع الآثار قصيرة الأجل للأزمة من خلال السماح بمرونة سعر الصرف، والحفاظ على الانضباط المالي، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتجنب اتخاذ قرارات استثنائية قد تزيد من اضطراب الأسواق.

لكنه شدد على أن الاختبار الحقيقي يكمن في الإصلاحات الهيكلية، وعلى رأسها إعادة تحديد دور الدولة في الاقتصاد، بما يسمح بتوسيع دور القطاع الخاص، وتعزيز المنافسة، وتحسين البيئة التنظيمية.

كما دعا إلى إعادة النظر في إدارة الدين العام، وتحقيق تكامل أكبر في إدارة الموارد العامة، إلى جانب مواءمة السياسات التجارية والصناعية مع هدف زيادة الصادرات، مؤكدا أن الاقتصادات الناجحة تعتمد على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية باعتباره المصدر الأكثر استدامة للنقد الأجنبي.

وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك إمكانات نمو أكبر بكثير من معدلاته الحالية، مؤكدا أن تحقيق معدلات نمو تتراوح بين 7 و8% هو السبيل الحقيقي لتحسين مستويات المعيشة، بينما لن تكون معدلات النمو الحالية كافية لإحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس.

كما أكد أن مواجهة التضخم تتطلب زيادة الإنتاجية، وتحسين كفاءة السياسات النقدية والمالية، وليس اللجوء إلى التدخل المباشر في تحديد الأسعار.

وفي ختام الندوة، أكدت الدكتورة عبلة عبد اللطيف أن مصر أصبحت اليوم أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي مقارنة بأي وقت مضى، في ظل ما تتمتع به من استقرار نسبي في منطقة تشهد اضطرابات متزايدة، إلا أن هذه الميزة لن تستمر ما لم تستكمل الإصلاحات المطلوبة بسرعة.

وشددت على ضرورة إزالة المعوقات التي تواجه المستثمرين، وفي مقدمتها توفير الأراضي الصناعية المرفقة والبنية الأساسية الجاهزة، مؤكدة أن خلق فرص العمل يبدأ بجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج، وليس من خلال برامج التوظيف وحدها.

كما دعت إلى منح أوضاع الطبقة المتوسطة اهتمامًا أكبر عند تصميم السياسات الاقتصادية، مشيرة إلى أن تحديات الفقر في مصر تتجاوز نطاق برامج الحماية الاجتماعية، وتتطلب سياسات اقتصادية أكثر شمولا.

وأشارت إلى أهمية الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، مثل التجربة البولندية، مؤكدة أن الدول القادرة على تحقيق التحول الاقتصادي هي التي تمتلك رؤية واضحة وتنفذ إصلاحاتها بسرعة وحسم.

وفيما يتعلق بالمتغيرات الجيوسياسية، شددت على ضرورة متابعة مشروع ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) وتأثيراته المحتملة على حركة التجارة العالمية، مؤكدة أن مصر تمتلك بدائل تنافسية قوية بفضل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية، بما يؤهلها لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية إذا أحسنت استثمار هذه المزايا.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن المتغيرات الإقليمية الحالية، رغم ما تفرضه من تحديات، تتيح في الوقت نفسه فرصا مهمة أمام الاقتصاد المصري، وأن سرعة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتعزيز التنافسية وجذب الاستثمارات ستكون العامل الحاسم في تحويل هذه الفرص إلى مكاسب اقتصادية مستدامة.