قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. آية الهنداوي تكتب: الجامعة المصرية بين أزمة الكرامة الأكاديمية وغياب العدالة

د. آية الهنداوي
د. آية الهنداوي

كانت الجامعة المصرية عبر تاريخها رمزًا للعلم والتنوير وصناعة الوعي ومكانًا يفترض أن تُحترم فيه قيمة العقل والبحث والمعرفة. لكن الواقع الحالي يكشف عن أزمات متراكمة تهدد جوهر المؤسسة الجامعية بداية من أوضاع أعضاء هيئة التدريس مرورًا بالفساد الإداري، وصولًا إلى تشوهات أصابت بعض جوانب منظومة الدراسات العليا.

وأصبح الحديث عن تدني أوضاع أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية أمرًا لا يمكن تجاهله؛ فالأستاذ الجامعي الذي يحمل مسؤولية تعليم الأجيال وإنتاج المعرفة والإشراف على الباحثين والمشاركة في خدمة المجتمع يجد نفسه أمام أعباء متزايدة في مقابل عائد مادي لا يتناسب دائمًا مع مكانته العلمية أو حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه. وهذه الأزمة لا تمس الأستاذ وحده، بل تمتد آثارها إلى جودة التعليم والبحث العلمي وقدرة الجامعات على المنافسة.

فالجامعة لا يمكن أن تطلب من عالم وباحث أن يقدم أفضل ما لديه، بينما لا توفر له بيئة تضمن الاستقرار والكرامة المهنية. وحين يشعر الأكاديمي بأن جهده العلمي الطويل لا يجد التقدير الكافي، فإن ذلك ينعكس بالضرورة على المناخ العام داخل المؤسسة التعليمية.
والأخطر من الأزمة الاقتصادية هو ما يرتبط ببعض مظاهر الفساد الإداري والمالي التي تهدد قيم الجامعة. فالفساد لا يقتصر فقط على صورة الرشوة المباشرة، بل قد يظهر في صور أخرى مثل تعطيل الحقوق وغياب الشفافية، واستغلال النفوذ وتحويل بعض الإجراءات الإدارية إلى أدوات للضغط بدلًا من أن تكون وسائل لتنظيم العمل.

أما ملف الدراسات العليا فهو من أكثر الملفات حساسية؛ لأن رسالة الماجستير والدكتوراه ليست مجرد أوراق للحصول على درجة علمية، وإنما هي مشروع بحثي يفترض أن يقوم على الأمانة العلمية والمنهجية والابتكار إلا أن تحول بعض ممارسات الدراسات العليا إلى مساحة تحكمها المصالح أو المجاملات أو الحسابات الشخصية يمثل خطرًا حقيقيًا على قيمة الشهادة العلمية وعلى مكانة البحث العلمي.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة هو فقدان الثقة؛ فعندما يشعر الباحث الجاد أن الطريق العلمي لا يعتمد فقط على الاجتهاد والكفاءة وعندما يشعر عضو هيئة التدريس أن العدالة المؤسسية ليست مضمونة، فإن ذلك يخلق حالة من الإحباط تهدد روح الجامعة نفسها.

ولا يمكن إصلاح التعليم العالي بمجرد شعارات أو قرارات شكلية، بل يحتاج الأمر إلى مواجهة حقيقية لكل صور الخلل ووضع معايير واضحة للعدالة والشفافية وحماية الباحثين والطلاب ومحاسبة أي تجاوزات تسيء إلى المؤسسة الأكاديمية.

فالجامعة ليست مكانًا للحصول على شهادات فقط، بل هي مؤسسة تصنع مستقبل المجتمع. وإذا أردنا بناء دولة تقوم على العلم والمعرفة، فعلينا أن نبدأ بإعادة الاعتبار للجامعة، للأستاذ، للباحث، وللقيمة الحقيقية للعلم.

إن إصلاح الجامعات يبدأ من الاعتراف بالمشكلات لا من إخفائها، ومن حماية أصحاب الكفاءة لا من إضعافهم لأن انهيار قيمة الجامعة يعني خسارة مستقبل أمة بأكملها.